العدد 4899
الإثنين 14 مارس 2022
المرأة البحرينية... تاريخ وريادة
الإثنين 14 مارس 2022

مما لا شك فيه أن نهضة الأمم والشعوب تقوم على ساعدَيْن قويين هما الرجل والمرأة، جنبا إلى جنب، ولا ينكر هذا أو يرده إلا جاهل أو مكابر. لقد مرت المرأة البحرينية بمحطاتٍ شابتها العديد من التحديات، إلا أن عزيمتها مازالت قوية وفي أوجها، وما سنذكره الآن ليس إلا حقائق ومواقف وجب علينا أن نسطرها تقديراً وفخراً بالمرأة البحرينية العظيمة التي دائما ما تترك أثرا وبصمة في أي مكان وأي موقع تتبوءه، سواءً كان ذلك في منزلها بين أسرتها وأبنائها، أو في مدرستها حين بادرت بالانتظام في التعليم عند افتتاح أول مدرسة للبنات في البحرين، وحتى في مواقع العمل في مرحلة تالية، إلى أن تمكنت من شغل مواقع قيادية مؤسسية لتكسب رهان النجاح والتميز، ولتكون إنجازاتها خير شاهد على قدرتها.

المتتبع لتاريخ المرأة البحرينية منذ سنوات عديدة مضت يُدرك أنها في كل محطة كانت أساساً في بناء مجتمعها، فالعديد من الإنجازات التي شهدها المجتمع وبرع فيها، والتحديات التي تجاوزها ونجح في تخطّيها يبرز فيها دور المرأة بصورة جلية لا ينكرها المنصف البصير.

الماضي القديم يزخرُ بالشواهد، وتحديداً قبل البدء في التعليم النظامي في المملكة تجلى دور المرأة المحوري في المنزل في مجتمعها الذي تعيش فيه. فكان الاهتمام بتربية الأولاد والعناية بهم أول أولوياتها، بدءا من تأمين الطعام واللباس وحاجات العيش الضرورية، إلى الحرص على تأديبهم وتنشئتهم تنشئة صالحة متوافقة مع ديننا الإسلامي الحنيف وعادات مجتمعنا البحريني. ونعلم أن تلك الأيام الماضية كان أسلوب الحياة فيها بالغ المشقة والتعب، فلم تكن هناك على سبيل المثال مواقد الغاز الحديثة كما هي الآن، ولا الأدوات الكهربائية متعددة الإنجازات، ولا الأواني المزخرفة الملونة. لقد كان تحضير الطعام شاقاً، وغسل الثياب مُجهِدا، وتنظيف الأواني عسيرا، وكل ذلك يحتاجُ إلى جهدٍ بدني لا يتناسب وقدرة المرأة في أغلب الأحيان، لكنها ورغم ذلك لم تكن تركن إلى الكسل أبداً. فالنساء كُنّ يخصصن يومًا محددًا في فترة زمنية معينة يذهبن فيها بالملابس إلى العيون الطبيعية لتبدأ عملية الغسل والتنشيف، مستخدِمات ما توفر لهن من الأدوات الخشنة وصعبة الاستعمال.

وأما تلك المنازل التي كانت تعجُ برائحة العود والطيب، وكانت تتردد بين جنباتها آيات القرآن الكريم في كل الأوقات، فقد كانت تفتقرُ إلى وسائل الراحة، فليس فيها تكييف مناسب لجو الصحراء القاسي صيفا وشتاء، ولا الأرائك الفاخرة، والسجاد الأنيق.. لقد كانت القلة هي سيدة الموقف على جميع الأصعدة، لكن المرأة البحرينية كانت عظيمة رغم كل الأحوال الصعبة المحيطة بها، وكانت مربية يشار لها بالبنان.

ومما يدعو إلى الفخر أن البحرين سبقت الكثير من الدول في تعليم المرأة ضمن تأسيس مدارس نظامية، فقد كانت البحرينية عام 1928 على موعد مع الإنجاز، حيث افتتحت في ذلك العام أول مدرسة للتعليم النظامي للبنات، لتشكل بذلك مرحلة جديدة من التحول في التعليم الذي كانت المرأة مشاركة فيه بنشاطٍ لافت، من خلال قارئات القرآن الكريم في القرى والمدن، ولا يخفى على أحدٍ كم كان لتلك الدروس بالغ الأثر الطيب على مجتمعنا، ولابد من الانتباه لمؤشر مهم للغاية وهو أن تلك الدروس القرآنية كانت دلالة كبيرة على حسن قيادتها وبراعتها في تحمل المسؤولية، وهي صفات امتازت بها المرأة البحرينية على وجه الخصوص، وكل ذلك دفعها إلى خلق الفرص التعليمية الذاتية، وكانت الدائرة التعليمية تعتمد نظاما متسلسلا لنشر العلم وتوسيع دائرته، ومحو الجهل والأمية، فمن تتقن القراءة تقوم بتعليم المجموعات الأخرى إلى أن يتقنوا ذلك، وهكذا دواليك للنساء والرجال، وبهذا الأسلوب الرشيد رحلت فلول الجهل والظلام، وانقشعت غمامته، وأشرقت المملكة بالعلم، وعمّ النور في كل مكان، ولم يعد دور المرأة محدودا مقصورا على الطبخ والغسيل، وتربية الأبناء وخدمة الزوج فقط، بل تجاوز هذه المنطقة إلى تغذية العقول والفكر، وإلى اكتساب المعلومات الجديدة، وتوسيع المدارك، وبناء الثقة في النفس أكثر، وصارت لها يد في إنجازات أخرى خارج حدود البيت. لقد تولت النساء كبيرات السن في هذه الفترة تدريس البنات والأولاد على حدٍ سواء. وكان أبي - رحمه الله - ممن تلقى تعليمه على يد معلمة فاضلة، وكثيراً ما سمعته يترحمُ على معلمته التي درّسته القرآن، ولا يملُ من ذكر أثرها الطيب. بعدها شرعت الدولة في فتح مدرسة للبنات ضمن التعليم الحكومي بمناهج تعليمية متقدمة، وقد كانت خطوة بالغة الحكمة من الحكومة، وكانت على دراية تامة بالتحديات التي ستلحق ذلك الافتتاح. في الحقيقة كانت تجربة تردد صداها في الدول القريبة والعربية، ونظرت لها الدول الغربية آنذاك على أنها خطوة شجاعة بلا شك. انخرطت المرأة البحرينية في تلك التجربة بكل عزيمة، وتوالت أسماء الراغبات في الانضمام للمدرسة إلى أن امتلأت بهن الأوراق، وكان الإنجاز بعدها في زيادة عدد مدارس البنات لاحتواء الجميع، ولتبدأ قصص نجاح عديدة، ولتنبثق مواهب جمة خلف جدران تلك المدارس، وقدرات نسائية متعددة لم تكن لتبرز لولا التحاقهن بالمدرسة النظامية.

بعد أن تمكنت المرأة البحرينية من إثبات قدرتها على تحصيل العلوم وفهمها، بل وحتى تدريسها، ومواصلة مستويات أعلى مما توصلت له العلوم في العالم، بدأت في الالتحاق بالجامعات العالمية، في شتى التخصصات، حتى أصبحت جنباً إلى جنب مع زميلاتها من دول العالم في جامعات ومعاهد عريقة. لقد صارت أسماء البحرينيات في رأس قائمة المتفوقات في تلك البرامج، فكانت رسالة تقول للعالم إن ما تحققه المرأة البحرينية ليس له سقفٌ واحد، فهي كالغيمة الممطرة أينما حلّت نفعت، وكالبذرة الطيبة أينما زُرعت نبتت، وآتت ثمرها يانعا طيبا. نالت العديد من النساء في تلك الجامعات نتيجة شغفهن المتقد ثقة الجامعات، وعُرضت على العديد منهن لتميزهن وتفوقهن بعثات لاستكمال شهادة الماجستير والدكتوراه، ومنافسة النساء في البلدان المتقدمة، حازت المرأة على الثقة في قدراتها، وحازت على إعجاب الكثير، وكانت محلا لهذه الثقة بذلا ورُقيا وعطاء.

 نعم، سيوثق التاريخ مرحلة جوهرية في تنمية وتمكين المرأة البحرينية في العهد الإصلاحي لجلالة الملك المفدى حفظه الله ورعاه، فقد أعطى جلالة الملك المفدى المرأة البحرينية الثقة التامة، مؤمنا بعقلها وفكرها ورأيها، وجِدّها وحزمها، فدفع المرأة في العديد من المواقع القيادية البارزة التي لم يكن يتقلّدها إلا الرجل في وتيرة أكثر سرعة وجدية. الرؤية اليوم في مملكة البحرين هي أن تكون المرأة مساوية للرجل، ساعدان مشتركان في تحقيق الإنجازات، والعمل على النهوض أكثر، وتحقيق أكثر مما قد تحقق، فلم نعد اليوم نسمع اعتراضا أو تحفظا من الناس على تولي النساء مناصب قيادية، أو العمل ضمن مؤسسات تقودها النساء، فقد تغيّر الانطباع العام اليوم بصورة متزنة ومدروسة، وكانت ومازالت قيادة البلد تؤمنُ بالغ الإيمان بأن المرأة شريكٌ رئيس في بناء هذا الوطن، ولابد من إعطائها الفرص المختلفة.

وكان من اللافت للنظر بروز دور البحرينية منذ تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، برئاسة الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة العاهل حفظهما الله، فقد تحققت الصدارة في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي باستحقاق عالٍ، محققة إنجازات مبهرة في العديد من المجالات على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. التكريم الذي حظيت به قرينة الملك المفدى وتصدرها القائمة الصادرة من مبادرة القيادات النسائية المعاصرة والتاريخية من قبل وفد الاتحاد الأوروبي لدى الأمم المتحدة والبعثة الدائمة للغابون بمناسبة إطلاق اليونسكو اليوم العالمي للمرأة في مجال العمل متعدد الأطراف هو تكريمٌ يدلُ على التقدير الدولي لما وصلت إليه المرأة البحرينية اليوم من مكانة متميزة على كل الصعد والمستويات.

 

التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية