العدد 4906
الإثنين 21 مارس 2022
فماتت من كسرِ قلبها!
الإثنين 21 مارس 2022

يروي أحد أطباء العِظام الأميركيين قصة مؤثرة لامرأة في السبعين من عمرها، كان الطبيب ماهراً في مجاله وله شهرة واسعة، جاءت إليه تلك المسنة تعاني من كسرٍ في حوضها، وبعد الفحص وضع لها الطبيب برنامجا علاجيا دقيقا، فالتزمت المسنة الأخذ به متحلّية بالإصرار والأمل. لاحظ الطبيب سرعة استجابتها للعلاج إلى أن أوشكت أن تشفى تماما في وقت وجيز، كان لها ابنة تأتي لزيارتها في المستشفى بين حين وآخر، والسؤال عن حالها، وذات يوم أخبرها الطبيب أنه بمقدورها أخذ أمها للمنزل، فهي لا تحتاج للمكوث في المستشفى حسب تقديره، وجميع الفحوصات والنتائج تظهر شفاءها التام. يقولُ الطبيب: إلا أنني لم ألحظ على الفتاة أية فرحة أو استبشار، وأحسستُ أن مشاعرها جافة تفصح عنها ملامحها الواجمة عندما سمعت مني هذا التقرير عن حالة أمها، بل إنها أشاحت بوجهها عني ثم توجهت تتحدث إلى أمها بكل فضاضة! وأنا أتأمل المشهد وعلى وجهي رُسمت كل علامات الدهشة. بينما كنتُ أعد الأوراق لرخصة الأم وإذ بي أسمع لغطاً بينهما، فهمتُ بعده أن البنت امتنعت عن استقبال أمها في المنزل، لأن زوجها لم يتقبل فكرة وجودها معهما وانشغال زوجته بها.
تألمت الأم كثيرا لموقف ابنتها هذا، ولم يمر على الموقف سوى يومين حتى ماتت الأم! علق الطبيب قائلا "لم تمت هذه المرأة العجوز من كسر حوضها إنما من كسرٍ قلبها وما سببته لها ابنتها" وقد صدق، ربما ماتت العجوز غماً، فإذا كان كسر العظم يجبر، فكسر القلوب لا يجبر! نستعيذ بالله من قسوة تتفطر لها القلوب وتقتل الأمل في النفوس، وأشدها إيلاما قسوة الأبناء على الوالدين، ويا لها من مفارقة عجيبة حين ترى من يبذل قصارى جهده في مداراة صديقه أو مسؤوله في العمل أو من يعز عليه من الأقارب والجيران، وتراه يجتهد ويبتهج عند الإحسان إليهم وإسعادهم، ويسعى للتواصل معهم بأرق عبارة وألطف الأحاديث، ويبذل لهم من وقته وجهده الكثير، لكنه لا يبالي أن يكسر قلب والديه بعصيان أو هجران، أو كلمة قاسية أو نظرة حادة، والأدهى من هذا حين يسيء لوالديه إرضاء لزوج أو صديق، أو يحزنهما من أجل راحته ومتعته، فيقابل إحسانهما إليه بالنكران والجحود، وبذلهما له بالبخل والجمود، وينسى أعواما من التعب والكد والسهر لأجله، وقد كان الأثير عندهما والقريب منهما، وعليه عُلقت الآمال، فخاب كل ما رجياه، وتجسد ما في القلب الناكر بموقف قاس، أو ألفاظ فجة! فيا له من زمانٍ كئيب! تتركُ فينا مثل هذه القصص أثراً عند سماعنا إياها دون شك، يبقى السؤال: ما الذي تتركه من أثرٍ في السلوك يا ترى؟.

 

التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .