العدد 4949
الثلاثاء 03 مايو 2022
العيد بين الماضي والحاضر
الثلاثاء 03 مايو 2022

من السوق الوحيدة في البلاد يأتي لنا أبي بملابس العيد، فستاني هو نسخة من فستان أختي الكبرى، لا فرق سوى اللون، ننتظره على أحر من الجمر عند الباب الخشبي المفضي للمرآب، ما إنْ يفتح باب سيارته ويضع قدمه على الأرض حتى نتهافت عليه بلهفة صامتة، ثم يفتح باب السيارة الخلفي ليلقي بين أيدينا فستان العيد المغلف بكيس شفاف.. هكذا ولا تعليق، سوى ابتسامة فرح هادئة يخفيها الخجل من أبينا، الأثواب البيضاء كانت ملابس إخوتي في كل عيد، ثم صارت أمي تخيط فساتيننا ونحن ننتظرها بلهفة، حين كبرنا قليلا، صرنا نخيط ملابس العيد في محلات الخياطة، ومذاك تبدأ بهجة العيد، وتزداد فرحتنا عند استلام الملابس. أذكر كم مرة جربت فستاني ليلة العيد، حتى أشرقتْ شمسه لشدة فرحتي بفستاني، لدرجة أنني مازلت أذكره بكل تفاصيله وألوانه.
يبدأ صباح العيد لا كغيره من الصباحات بصلاة العيد، ويكون فطور العيد مميزا دائما، يتوسطه "البلاليط" الذي كان يميز الإفطار البحريني، وبلا ملعقة نتناوله فتلتمع أصابعنا المنقوشة بالحناء ليثير بهجتنا بصورة طفولية رائعة، ويجهز "القدوع"، وهو طعام يحتوي على الفاكهة والمكسرات والكيك يقدم للضيوف والأقارب الذين يأتون لتقديم التهاني بمناسبة العيد السعيد، والبعض منهم يقدم العيدية التي لم تكن تتعدى المئة فلس، لكنها كانت تسعدنا أيما سعادة، ثم ننتشر في الطرقات، ومن مجلس لمجلس، ومن منزل لآخر نطرق الأبواب لنستلم العيدية من رجالات الحي أو بعض نسائها. هناك على مقربة من المسجد يجلس صبي من الحي يبيع مأكولات خفيفة على صندوقه الورقي، ويعرض على الجدار خلفه بالونات اليانصيب. المحظوظ الوحيد، هو من يقطع رقم البالونة الكبرى، ولا أذكر أن ذلك حدث معي في أي عيد. كانت الشوارع تمتلئ بالحياة يوم العيد، وضحكات الأطفال تضج بها الطرقات، لا نعود إلا لوجبة غداء العيد، ثم نتجهز جميعا لزيارة الأهل والأقارب في بيت الجد ونحن في أبهى حلة.
العيد اليوم صامت كصمت القبر.. لا فرق بينه وبين باقي الأيام، فقد العيد زهوته القديمة، ولم تبق منه سوى مظاهر قليلة، صار أبناؤنا ينتظرونه فقط ليفطروا، ويلبسوا الملابس التي سعوا شهرا كاملا لشرائها بين صفا المجمعات ومروة الأسواق، بلا بهجة ولا فرح، ما إنْ ينتهي صباح العيد حتى تراهم يتأففون بانزعاج، ثم يتكومون أجسادا هامدة تغط في سبات عميق، وينتهي العيد، لا زيارات ولا صلة رحم، وإذا استيقظوا طاروا للمجمعات التجارية لتناول الطعام في قسم الطعام المكتظ بالناس، أو في المطاعم الخاصة ليسجلوا أسماءهم على قائمة الانتظار لساعات، أو يذهبوا لمشاهدة الأفلام في السينما التي لا تجد في طابور نوافذها موطئ قدم.

هذا هو العيد الآن وباختصار، لا يعلم هذا الجيل فلسفته ولا يشعرون بزهوته، بالرغم من كل البذخ الذي يبدونه والمال الذي ينفقونه في أيامه الثلاثة.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية