العدد 4964
الأربعاء 18 مايو 2022
“مال الحريص ياكله العيار”
الأربعاء 18 مايو 2022

ما تكد أنت في كسبه، يبدده أبناؤك، وما تشقى في تحصيله، يتحصله تجار السوشال ميديا، أنت تنتزع نفسك من الفراش انتزاعا في الصباح الباكر صيفا وشتاء وتتحمل اختناقات السير ووعورة الطريق لمقر العمل، وتوبيخ المدير ولوم مشرف القسم، والخصم الجزيل من الراتب ولفت النظر، وزيادة ساعات العمل تحت الضغط والطوارئ، والاعتلالات الصحية، وعدم القدرة على الحصول على الإجازات المرضية والعارضة، ثم يأتي الراتب بعد ذلك شحيحا، بالكاد يسد رمق أسرتك، لينشله أفرادها للوجبات السريعة كل يوم، والطلبات الضرورية وغير الضرورية عبر الإنترنت.. “ادفع مبلغا وقدره لفلان”، “حول لي مبلغا وقدره على البنفت بي”، يصفى جيبك يا صاح بكبسة زر، وكيلك الله.
“العالم قرية صغيرة”، ذلك ما قذف بنا أبعد من الشمس، وجعل أبناءنا على اطلاع تام على أحدث التصاميم والماركات العالمية لشتى المنتجات في الأسواق المحلية والعالمية، وباتوا يتتبعون ما يعلن عنه تجار السوشال ميديا وما يقتنيه الآخرون، ويقررون اقتناءه هم كذلك. الوالدان يدفعان فقط بعد كل كبسة زر على جرس الباب.. كل شيء يمكن شراؤه عن بعد؛ فالملابس وأدوات التجميل وأغلب الكماليات وحتى الأطعمة تصلك لمحل سكنك بلمح البصر من داخل بلدك وخارجه، وهو وإن كان تطورا للأفضل، إذ إنه يوفر الوقت والجهد وينقذ الفرد في الأزمات وعند الضرورة، إلا أن إساءة استخدام هذه الميزة تعد هدرا للمال وإسرافا لا يمكن تبريره، ليس الأبناء فقط من يسيء استخدام هذه الخدمة فحسب، بل وحتى بعض الزوجات والأزواج الذين جبلوا على عادة الاستهلاك وحب البذخ والرغبة في اقتناء الأفضل والأحدث والأغلى، ليس لحاجة لمنتج أو ضرورة لسلعة، كما أن أغلب ما يقتنونه قد يستخدم مرة واحدة أو اثنتين، ثم يلقى به في حاويات التبرعات أو أكياس القمامة.
إن النزعة الاستهلاكية المضطردة لدى هذا الجيل، تدفع بالشباب غالبا نحو مزيد من الاستنزاف للمال الذي يكدح الوالدان لجمعه وتحصيله، على الرغم من معرفتهم الوافية بمستوى الأسرة المادي ودخلها، وعلى الرغم من توعية الوالدين للأبناء بضرورة الاعتدال والبعد عن الإسراف والتبذير وحب المباهاة والبذخ في جمع المهم من الأشياء وغير المهم منها. هؤلاء الذين اعتادوا اليوم مستوى من العيش فوق رقاب الآباء، هم من سيشقى في المستقبل، ويشعر بالحرمان والعوز حين يبدد ماله الذي سيجنيه ببالغ المشقة بنفسه وبيده.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية