العدد 5007
الخميس 30 يونيو 2022
العجوز المُراهق!
الخميس 30 يونيو 2022

كان يرتدي بدلة أنيقة، ونظارة شمسية تُخفي عدساتُها السوداء عيني ذئب ماثل في صورة عجوز، اندس وسط المُشترين في أحد الأسواق المُكتظة بحجة الشراء، أخذ يتلفت يَمنة ويَسرة بحثا عن فريسة يروي بها ظمأ نفسه الجامحة، فوقعت عيناه على امرأة في أوائل العقد الرابع، حوراء العينين، زجّاء الحاجبين، بضة الجسم، ليست بالقصيرة ولا الطويلة، ظنها قنصا سهلا فأخذ يُطاردها أينما حلت، وحيثما ارتحلت، إذ كان أقربَ إليها من ظلها، كان كلما أسرعت يُوسع الخطى، وكلما تباطأت يسير الهُوينى، أخذ يُسمعها كلمات، تُدغدغ المشاعر وتخْدش الحياء، فبدت عليها حُمرة الخجل، واضطربت أنفاسها، واشتد وجيب قلبها، وتمنت آنذاك أن تنشق الأرض وتبتلعها؛ لتتخلص من “سماجة” ذلك العجوز المُتصابي، ولما أعيتها حيلُ الفرار من ذلك الذئب الجائع، صرخت مُستنجدة بمن حولها فهبوا لنجدتها ولاذت بالهرب دون شراء ما تريد.
هذه الواقعة الأليمة وغيرُها من وقائع نراها رأي العين ونسمع عنها صباحا ومساء، تؤكد مقدار ما تعاني منه مجتمعاتنا من سلوكيات شاذة، وأخلاقيات غريبة تختلف تماما عن صبغتنا الأخلاقية، ونخوة “ولاد البلد”، وهو داء التحرش الجنسي الذي يرفضه الدين ـ أيُ دين ـ وتأباه الفطرُ السوية والأخلاق الحميدة، وترجع خطورة ذلك السلوك الشاذ إلى أن الأسر صارت لا تأمن معه خُروج امرأة أو فتاة بمفردها خشية التعرض لمُضايقات لا تُحمد عُقباها، وربما كوارث لا ينفعُ معها ندم.
وبنظرة موضوعية يتضحُ أن ذلك السلوك الشاذ إنما يدل على غياب الدين والعقل عند من يقترفه، لأنه نسي أنه دَينٌ لابد أن يُقضى، وكأس لابد أن يذوق مرارتها في أهله عاجلا أو آجلا، فكما تدين تُدان.
لهذا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أحد الصبيان يستأذنه في أن يُرخص له الزنا، يُغلب صوتَ العقل، ويؤصل لدور الحوار في تقويم المعوج، فلم يعنف الصبي بل أقنعه بالحُجة، ونفَّره من اقتراف ذلك الفعل بالمنطق والعقل، ففاجأه بالسؤال: أترضاه لأُمك؟ فأجاب الفتى بالنفي، ثم أخذ يُعدد له محارمه، مُستفهما منه أيرضى أن يُرتكبَ معهم ذلك الفعلُ القبيح؟ وتأتي إجابة الفتى بالنفي الدائم، الذي كان إقرارا منه بأن ما طمحت له نفسُه سلوكٌ مذموم، ومن ثم فقد رفضه لنفسه وغيره.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية