العدد 5014
الخميس 07 يوليو 2022
حياة بلا تبرير
الخميس 07 يوليو 2022

آفة العصر وخراب المجتمعات تبرير المواقف والأفعال والأقوال للتملص من المسؤولية والوزر. إذا بنيت الحياة المجتمعية لمجتمع ما على أساس التبرير بررت الجريمة للجميع، ومن السهل جدا أن نبرر تخاذلنا وفشلنا إذا ما انتهجنا سياسة التبرير. نحن قد نسوق قائمة من المبررات حين نقصر في ديننا أو تجاه أوطاننا، ونقنع الآخرين بهذه المبررات الواهية لشديد الأسف، وقد يبدو التبرير الذي نمارسه عادة أمرا عاديا لا غضاضة فيه؛ بيْد أنه من الخطورة بمكان بأنْ يقود لنتائج كارثية على الأفراد والمجتمعات.
الإنسان المبرر يلجأ إلى أنواع من المبررات، منها المبرر الطفولي، الذي يبقي الفرد وإن تقدم في العمر عالقا في الأنا الطفولية، حين كان الأبوان يقدمان له كل وسائل الراحة والمعونة، هذا النوع من المبررين يتذرع بالأعذار ويطلب من الآخرين القيام بما يجب عليه هو القيام به. إن هذا من شأنه أن ينشر الفساد حين يجبر الأبوان أبناءهما على عمل مشروع أو غير مشروع لجلب المال أيا كانت الطرق والوسائل، ما يؤثر على سمعتهم وأخلاقهم ومستقبلهم. ويبرر البعض عدم قدرتهم على الاستقامة بسبب صعوبة التغيير، فالمرتشي لا يستطيع ترك الرشوة لحاجته للمال للكد على عياله، والحق أن الصعوبة تكمن في قبول الرشوة لا في تركها، موظف الرقابة والمحاسبة قد يتغاضى عن المفسد بحجة الخوف من قطع مصدر رزقه في حين يتوجب عليه قطع دابر الفساد ووأده في مهده كي لا يستشري ويتعاظم.
النوع الآخر من التبرير هو التلاعب، حين يلجأ المبرر للكذب لينسلخ من المسؤولية الملقاة على عاتقه، فحين يتطلب الأمر أن يتصدى لدينه أو وطنه تراه يدعي الجبن، وهو ليس كذلك، ليتخلص من هذه المسؤولية، وحين تطلب منه المشاركة في حل قضايا مجتمعه يدعي عدم المعرفة والفهم في تلك القضايا ليتنصل من مسؤولياته تجاه أمته ومجتمعه، وقد يصل به الأمر للتلاعب بعقول الآخرين بالمبالغة في المدح ليعلق في أعناقهم مسؤولية التصدي لأمر ما بدلا منه، وليتملص من الأمر برمته ويحمل الآخرين وزر ما سيقدمون عليه، ليبرر هزيمته وانسحابه.
ثم يأتي توهم القداسة، كنوع آخر من أنواع التبرير، وهو الأخطر قطعا، حين تتوهم طبقة من الناس أن كل ما يصدر عنها مقدس لا غبار عليه، وإن كان من ضمنه القتل وسفك الدماء، كما فعل هتلر الذي قتل بسببه قرابة الخمسة عشر مليونا من الأبرياء دون أن يرف له جفن.
المبرر لا يجني سوى الفشل والخسارة، فهو يبرر لنفسه تكبره على غيره، بحجة عدم التكافؤ، وسوء معاملته لآخر لأن ذلك الآخر يستحق سوء المعاملة، وتعنيفه زوجته لأنها تستأهل العنف، فيخسر من حوله نتيجة تبريراته. لا تجامل المبررين، وقل الحق في وجوههم كي تنهي سلسلة التبريرات التي يسوقونها، ولكي يعودوا لجادة الحق كما ينبغي لهم. المواجهة من أهم الحلول لعلاج التبرير، كما يجب على المرء معرفة حدوده وحقوقه وواجباته، فلا يعرض الوالدان عن واجب تربيتهم أبناءهم متذرعين بحجج واهية، وليس من اللائق بالمجتمع تبرير هذا السلوك للأبوين بأية حجة ساقاها. العطف أيضا يقود لحل المشكلة، حين يحل محل اللوم والكراهية، فلا تنظر للمتسول على أنه فرد في عصابة تحتال عليك لنشل أموالك، وإن وقع جارك في مشكلة قدم له العون وإن دب الخصام بينكما. قدم العون وبادر بأداء الواجب وليكن العطف سيد الموقف الذي لا يعقبه تبرير ولا يحدو بك لسوق الحجج.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .