العدد 5056
الخميس 18 أغسطس 2022
الاغتيال الجسدي بدلا من الرد النقدي والفكري
الخميس 18 أغسطس 2022

عندما يكون الشخص في قمة النضوج العلمي والأكاديمي، يسهل عليه الدخول في المناظرات والأمور المعقدة، ويكون بمثابة المرجع الجامع الرصين المدعوم بالوثيقة والمرجع والمصدر، كالداعية الإسلامي الكبير الشيخ أحمد ديدات رحمه الله، والذي تصدى للملحدين والمشككين في مناظرات علنية أمام آلاف البشر، وانتصر عليهم بالحجة، وجعلهم يدورون في خط دائري من الحيرة، أما الشخص المفلس والضعيف والعاجز عن الكلام فهو من يخاف من المواجهة ويلجأ إلى العنف والقتل كأداة غليظة لإسكات الآخرين.
في أكتوبر عام 1994 كاد نجيب محفوظ يلقى حتفه على يد شاب ينتمي لإحدى الجماعات الإسلامية المسلحة، قرأ فتوى أصدرها أمير الجماعة عمر عبدالرحمن بتكفير نجيب محفوظ بسبب روايته “أولاد حارتنا”، وسارع إلى اغتنام الفرصة لدخول الجنة. أعد سكينا بدائية وراقب الكاتب “الكافر” أياما ثم اتخذ قراره بقتله أثناء ركوبه سيارة أحد أصدقائه متوجها إلى ندوته الأسبوعية  ،كما جاء في العدد الخاص من مجلة الهلال عن نجيب محفوظ. 
مهما كان رأي الكاتب جريئا ويثير الجدل، إلا أن ذلك لا يعطي الضوء الأخضر للمتشددين بقتله وإهدار دمه، وعندما نتأمل هذه الحقيقة الفظيعة نجد أن كلمة “اقتل الكاتب فلانا” أصبحت واسعة الاستعمال عند الجماعات الدينية المتشددة التي تريد صناعة مجتمع على هواها قائم على العصبية ومنطق الغاب، وعندها الأدباء والكتاب والفلاسفة أصحاب أفعال شريرة وصفات سوداء يجب اقتلاع جذورهم والتخلص منهم ورميهم خارج السفينة البشرية.
مهما كان حجم الخصومة ومصدرها، ومهما كثرت الزوابع والمعارك الضارية لأسباب فكرية أو أسباب أخرى، لا يمكن أن تكون الرصاصة أو السكين حلا، وكما كتب زميلنا أحمد جمعة “بدل دحض الفكرة بفكرة، فإن الانتقام الدموي هو الرد على الأفكار، وبدلا من مواجهة القلم بقلم آخر، يقود التخلف والعجز والمصلحة بنيل الجوائز والثواب لإحلال الاغتيال الجسدي بدلا من الرد النقدي والفكري”.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية