العدد 5081
الإثنين 12 سبتمبر 2022
زحام الهبَّة
الإثنين 12 سبتمبر 2022

الهبَّة تَجُرّ في طريقها كل شيء، الغثُ والسمين، الجيد والسيء، الإنسانٌ والحيوان، الطعام وحتى دولة من الدول، كلهم قد يخضعون لهراء الهبة، تلك التي اختلقها أخرق فتبِعتهُ جماعةٌ من الخُرْق لا يعدون ولا يحصون، أخذتهم الصيحة الجديدة وأعمى عيونهم بريق هُرائها.
اليوم ينفر الناس أفواجا أفواجا إلى مقهى ما أو مطعم مشهور، ويقفون في طوابيرَ طويلة ليحتسوا كوب قهوة أو يأكلوا طبقاً شهيراً شاهدوه في التيك توك، وغداً ينزحون من أوطانهم في رحلات سياحية لبلد بعينه، لكأن قارات العالم ابتلعتها المحيطات فاختفت من الكرة الأرضية عدا هذه الوجهة السياحية التي لا تُميزُ ساكنيها الأصليين لكثرة السائحين المأخوذين بهبَّة السياحة في هذه البقعة من العالم دون غيرها، حتى ضج أهلُها من الزحام فيها.
ليس هذا فحسب، بل وحتى الأشخاص أيضاً يخضعون لمفهوم الهبة، قد تصبح الشخصية المشهورة هبة هي الأخرى؛ فقد يبالغ البعض بالإعجاب بشخصية ما، وقد يكون مطربا أو نجماً سينمائياً أو لاعب كرة أو حتى خطيباً أو مُقرِئاً أثار إعجاب الجمهور في عملٍ أو موسمٍ ما. ثم يُعرض هؤلاء عن تلك الشخصية بعد حين ليهبُّوا لغيرها فيُمجدوها ويقدسوها. حتى العلامات التجارية الشهيرة أصبحت هبة هي الأخرى، على الرغم من ارتفاع قيمتها المادية وضعف القدرة الشرائية لدى الغالبية، فمادام الناس يقتنون هذه الماركات، فسيقتنيها الآخرون أيضاً حتى لو استدانوا ثمنها، وإن تعذر ذلك أتوا بها من الحسابات التي تتاجر بالماركات المستعملة بكلفةٍ أقل.
السؤال، لماذا وبالإجماع يتهافتُ الناس على شيء أو شخص أو مكان بعينه دون تفكير أو تعقل؟ ثم أين تكمن المتعة في أن ينحشر هؤلاء في زحام هبتِهم لساعاتٍ وساعات أمام مقهى أو في مجمع تجاري أو في مطارٍ ما ودولةٍ ما، وأن يقتنوا جميعاً منتجات كُتبتْ أسماء علاماتها التجارية بخطٍ واضح، مثلُها كمثلِ دعايةٍ على قميص قطني رخيص لمشروب غازي لا يرغب أحد في ارتدائه كي لا يراه الآخرون. حينها تودُّ حقاً أن تقبض على من بدأ بالترويج لتلك الهبة من ياقته لتقول له “أفلت أطواق التُبَّع وحرر عقول التابعين”.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية