العدد 5103
الثلاثاء 04 أكتوبر 2022
الشكل يتبدل أما المضمون واحد
الثلاثاء 04 أكتوبر 2022

تزداد الهوة عمقا، يوما بعد يوم بين جيل وآخر، أي بين الشبان والشيوخ على وجه التحديد، وربما كان من طبيعة الأشياء أن يكون مثل هذا الفارق بينهما، وهو فارق يتخذ شكل الصراع العنيف في عصرنا هذا، وهذا الصراع أشبه ما يكون بموجة كبيرة تمد مدها الواسع فلا تقف عند بلد دون الآخر، وعند شعب دون شعب، ويبقى بعد هذا أن الصراع يختلف شكلا وموضوعا باختلاف الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية بين الشعوب، وباختصار الكلمة هو الاختلاف الحضاري الذي يميز اتجاهات هذا الصراع وصوره، لكنه يظل في الصميم، صراعا عنيفا بين الأجيال.
عندما صدر كتاب الأديب الفرنسي العجوز “أندريه موروا” الذي تخطى الثمانين من عمره في الستينات “رسالة إلى شاب حسن السلوك في الحياة”، ثارت حوله ضجة في الصحف والمجلات حتى اضطر الراديو الفرنسي أن يشارك في هذا الموضوع فأجرى مقابلة بين موروا وبين شاب من الجيل الصاعد، وباعتراف موروا نفسه فإن الشاب وإن لم يتجاوز العشرين من عمره إلا أنه على جانب كبير من الأدب والذكاء والصراحة أيضا. وفي هذه المقابلة قال الشاب للأديب الكبير: ألفت يا سيدي كتابا كاملا لكي تشرك جيلي من الشبان في خبراتك في الحياة، وهذا لطف منك وتشكر عليه، لكن ماذا عسانا أن نستفيد من خبرتك؟ إنني أعتقد ولا شك، أن بين أبناء جيلك رجالا مرموقين، لكنك عشت أنت وهم في عالم لم يعد عالمنا نحن.. إنك تحدثنا عن ثقافة أبناء عصرك، غير أننا نبتكر ثقافتنا ابتكارا.
وقد كان تعليق أندريه موروا طويلا، وأقر كل ألوان التقدم العلمي السريع المستمر إلى يومنا هذا، غير أنه أوضح في مجمل كلامه أن القيم الأساسية لا تزال قائمة ولن تزول، فالعجوز يريد الإخلاص والوفاء والصدق. وهو يحب كما كان الناس يحبون قبل مئات وألوف السنين، وسيظل يحب كما يحب شبان اليوم وشبان الأمس وإن اختلفت المظاهر. وقس على هذا سائر العواطف والقيم، وسائر ما هو أزلي وباق في قلب الإنسان وحسه وعواطفه، فالإطار هو الذي يتغير، والشكل هو الذي يتبدل أما المضمون فواحد.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية