العدد 5165
الإثنين 05 ديسمبر 2022
كيف تغير سوق العمل في اقتصاد ما بعد الجائحة
الإثنين 05 ديسمبر 2022

على الرغم من التعافي الاقتصادي لبعض البلدان من جائحة كورونا، إلا أنه مازالت المخاوف منتشرة بشأن ما سببته الجائحة اقتصادياً على الصعيدين المحلي والدولي - وخصوصاً لما سببته الجائحة في سوق العمل بشكل خاص - في مختلف القطاعات الاقتصادية. وحين كنت أقرأ الإحصائيات عن معدلات البطالة على مستوى دول العالم، نظرت إلى بعض الأخبار الأخرى التي تؤكد أن هناك نقصاً في العمالة في بعض القطاعات والتي ارتفع فيها هذا النقص بشكل كبير ما بعد الجائحة. كما يستنتج البعض أن هناك تناقضاً بين ارتفاع نسبة البطالة في دولة ما، ووجود طلب كبير على العمالة في الوقت نفسه لبعض القطاعات الاقتصادية. فكيف يمكن فهم الفرق وكيف حصل هذا الفارق؟
كما يعلم الكثيرون، فإن جائحة كورونا كانت غير مسبوقة في تأثيرها على اقتصاد العالم. تأثرت العديد من قطاعات الاقتصادية مثل سوق التجزئة والمطاعم والفنادق والسياحة والنقل، كما حصل انخفاض شديد في الاستثمارات ونمو المشروعات الخاصة. فتسببت الجائحة في ارتفاع معدل البطالة بسبب الإغلاق الشامل لقطاعات الاقتصاد. ولكن ما حدث في مرحلة التعافي الاقتصادي كان غير مسبوق. فقد ارتفع الطلب على العمالة في العديد من القطاعات الاقتصادية كالطبية، وسلسلة التوريد، والمطاعم والفنادق ونظم المعلومات والتكنولوجيا وغيرها من المجالات الأخرى. وفي الوقت نفسه، يواجه العديد من الخريجين سوق عمل صعباً خلال السنوات المقبلة، وخصوصاً في حال وجود وباء أو كساد اقتصادي قد يضعهم في خطر عدم الحصول على وظائف مناسبة. ومن المؤكد أن المنافسة على الوظائف والتدريب ستكون شرسة بين الخريجين وأن البحث عن وظيفة لن تكون مهمة سهلة مستقبلاً. ويكمن السؤال هنا، كيف يمكن التقليل من حدة هذه المخاطر؟
تعتبر الجامعات أحد المكونات الأساسية للاقتصاد المحلي لما يعزز بدوره العمالة الماهرة التي يمكن أن تدفع بعجلة الاقتصاد المحلي ونموه، ومن أحد أهدافها هو تهيئة خريجيها لسوق العمل. ولذلك يأتي على عاتق الجامعات توفير تخصصات مطلوبة بشكل كبير في سوق العمل ورفع مستوى جودة وفعالية التدريس بما يحتاجه السوق ومتطلباته، وخصوصاً في اقتصادات ما بعد الكورونا. ولعل من أهم الواجبات ومن أهم التخصصات المطلوبة التي يحتاجها سوق العمل اليوم هي تخصصات الهندسة بجميع أنواعها، علم الحوسبة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ونظم المعلومات والتكنولوجيا، والعلوم الاجتماعية كالاقتصاد، وتخصصات الضيافة والفندقة، وسلسلة التوريد، والزراعة، والتخصصات الطبية، والتخصصات المالية. ففتح أبواب هذه التخصصات سوف يفتح آفاقاً أكبر ليس فقط لطلبة الجامعات، بل حتى في مجال ريادة الأعمال واستقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تركز على العمالة الماهرة المتخصصة في شتى المجالات. ففي بعض الدول، نظراً لتقدم جودة التعليم والتدريب ووجود تخصصات جامعية مختلفة، تم تعزيز آفاق ريادة الأعمال ورفع مستوى فتح الشركات بشكل كبير واستقطاب العديد من الاستثمارات الخارجية المباشرة مثل دولة سنغافورة، التي يشتهر خريجوها بالكفاءة والمهارة، وتقل فيها نسبة البطالة، وترتفع فيها نسبة الاستثمارات الخارجية وفتح الشركات بسبب كفاءة التعليم الخاص لديها. 
ولتحليل واقع الأمر، يقوم بعض الطلاب بالدخول الى التخصصات التي يقل الطلب عليها في سوق العمل مثل إدارة الأعمال والتسويق وبعض التخصصات الأخرى والتي ينتظر خريجوها وقتاً طويلاً للحصول على فرص العمل. لذلك، فإن من واجب المدارس والجامعات والعائلات والطلبة أنفسهم تشجيع الطلبة على اختيار التخصصات التي يرتفع الطلب عليها في سوق العمل، والعكف على اختيار التخصصات التي قد تكون مخاطرة بسبب عدم وجود طلب عليها في سوق العمل. كما أن هناك العديد من المواقع الإلكترونية والكتب المجانية التي يمكن أن تثقف الأشخاص بشأن التخصصات التي لا يحتاجها السوق بشكل كبير كإدارة الأعمال. فهناك العديد من الدورات التدريبية التي يمكن أن تزود أي شخص بأساسيات إدارة الأعمال خلال فترة 3 أشهر دون التفرغ لها لفترة 3 إلى 4 سنوات.
الخريجون هم رواد أعمال المستقبل ويمكنهم تعلم الكثير من تجربة هذه الجائحة ومن أخطار تقلبات السوق، وينبغي على الجميع الاستعداد لاقتصاد المستقبل الذي يمكنه تحمل أحداث اقتصادية كجائحة كورونا بشكل أفضل من خلال مواكبة أحدث اتجاهات سوق العمل والاقتصاد المحلي، فيمكن للخريجين أن يكونوا في طليعة هذا التغيير. ويمكن لهذا التغيير أن يحصل من خلال مواصلة تحسين جودة التعليم من جهة، وإرشاد الطلبة لتخصصات مطلوبة في المستقبل من جهة أخرى.
* مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات)

التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية