العدد 5216
الأربعاء 25 يناير 2023
العالم العربي والنخب النهضوية
الأربعاء 25 يناير 2023

بعيدا عن أحداث السياقات السياسية الخبرية الجارية التي تبدو وكأنها ماضية في طريق محتوم، تشاغب العقل أفكار ذات طابع فكري، وبعضها موصول بفكرة النخب العربية، ومدى أهميتها في هذه الأوقات الحاضرة، تلك التي رأى البعض من كبار المفكرين والجيواستراتيجيين، أنها تمثل قمة "عصر الاضطراب".. هل لا يزال عالمنا العربي يعرف طريقه إلى النخب النهضوية الحقيقية، وبعيدا عن تلك النخب النهبوية التي تبيع للآخرين بضاعة مغشوشة، حتى إن كان ذلك على حساب كرامة الأوطان؟

يمكن القطع بأن تعريف النخب الوطنية، أمر لا ينفصل أبدا عن مفهوم "المثقف العضوي"، عند المفكر الإيطالي الشهير، أنطونيو غرامشي، وفي أبسط الكلمات هو صاحب العقل المعذب بالوعي، المفارق للسائد، المنتصر للحلم لا للواقع، والملدوغ بحب الإبداع، لا خوف عليه، ولا حزن يصيبه، يقول كلمته، ولا يرحل، بل يظل رافعا راية الحقيقة، أو يهلك دونها. تبدو أهمية النخب من حول صانع القرار في أي مكان أو زمان، قضية واجبة الوجود، فقد رأينا أرسطو على رأس مرافقي الإسكندر المقدوني، وشاهدنا أندريه مالرو بجوار شارل ديغول، وجاك أتالي من حول ميتران.

وفي عالم الإعلام، كانت هناك صداقة بين الرئيس الأميركي "وودرو ويلسون"، والكاتب الصحافي "والتر ليبمان"، كما عرف العالم مقدار العلاقة الفكرية والصداقة التي ربطت بين "ونستون تشرشل" و"بيفر بروك"، عطفا على ما نشأ من خطوط تواصل فكري بين جون كيندي، وجيمس رستون. مثّل هؤلاء عقولا يانعة مزدهرة بالحكمة والقدرة على تقديم الرأي والمشورة الخالصة، ضمن أطر من الرؤى الاستشرافية التي تُقدر للأرجل قبل الخطو موضعها.

يحتاج عالمنا العربي إلى نخب تنحاز للنهضة الحقيقية، تلك التي عرفها أحد رواد التنوير في بواكير تاريخ تجارب النهضة العربية، الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، صاحب الكتاب الأشهر "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، بأنها "الانحياز للمستقبل، والتماس روح العصر، وتغليب العقلانية على الخرافة، وتحديد الموقع والموضع من الآخر".. بل إلى أبعد من ذلك يقطع بأن النهضة "ليست حفلة تنكرية يمشي فيها الغراب مشية الطاووس، فيصير مثله، بل مجتمعا يصنع أساسه الوعي، ويعلي قوائمه الجهد والإصرار والجلد، ويدفع تطوره الانحياز غير المشروط للمستقبل".

هل يمكن القطع بأن تجاهل تلك المصفوفة الأخلاقية عبر القرون الغابرة، راكم النكبات، واستمال التبشير بالنهضة إلى بكاء على الأطلال، والتنوير إلى إظلام؟

كارثة النخب "النهبوية" المزيفة، تتمثل في أنها تمهد الطريق للديماغوغيين، وقد خبر العالم العربي تجربة غير بعيدة، في زمن ما سمي بالربيع العربي المغشوش، والذي لم يكن إلا شتاء أصوليا قاسيا وقارسا.

سوف تنصلح الكثير من أحوال عالمنا العربي، حين يوجد المثقفون الوطنيون النخبويون، الذين لا هم لهم سوى رفعة الأوطان وكرامة الإنسان. المثقفون النخبويون، ليسوا فقط رجال معرفة أو علم وحسب، حتى إن كان في مقدورهم تطوير مستوى المعرفة، وتقليص حدود المجهول، لكن مساهمتهم في قضايا الجدل الذي يخوضه المجتمع، هي التي تصنع الفرق، والتي توصلهم إلى مرتبة مرموقة، يحوزون من خلالها احترام شعوبهم، وتقدير قادتهم".

البحث عن صالح الوطن والمواطنين، هو المعيار الحقيقي للنخب العربية المنشودة، كما أن التطلع إلى الحقيقة وحدها، هو الذي يجب أن يوجه المثقف.

البحث عن النخب الحقيقية فرض عين في حاضرات أيامنا.

- كاتب مصري متخصص في الشؤون الدولية

التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .