العدد 5217
الخميس 26 يناير 2023
نزعُ المقدس عن الخطاب الديني!
الخميس 26 يناير 2023

كثرٌ هُم من يقعون في خطأ منهجي مُضَللٍ، وهو المطابقة بين “الخطاب الديني” و”المقدس”، وكأنهما شيء واحد؛ غير ملتفتين إلى أن هذا الخطاب إنما هو نتاج بشر صرف، لا يمتلك أية حصانة من النقد أو المساءلة أو حتى النقض والتقويض لأسسه التي قام عليها، فخلال مسيرة البشرية، قامت ثقافات واندثرت أخرى، بسبب التحولات الكبرى التي مرت بها الإنسانية!


هذه التوأمة بين “الخطاب الديني” و”المقدس” هي أيضاً في جزء منها وسيلة من التيارات الإسلاموية لمد نفوذها على الجماهير، والتحكم في الأتباع، ومنح أفكارها قوة رمزية، تجعل أفراد المجتمع يترددون في مساءلتها، حتى إن لم يقتنعوا بالكثير من تفاصيلها، إلا أنهم يسلموا تسليماً! ظناً منهم أن في المخالفة معصية، أو خروجا عن صف الجماعة.


من هنا يكون فكُ الارتباط بين “الخطاب الديني” و”المقدس” مهمة ضرورية، شرط أن تتم بمنهجية علمية، ودون كيدية سياسية، وتأتي ضمن نسق عملية تنوير شاملة، تروم جعل المجتمعات الخليجية أكثر مدنية، وأقرب إلى روح الإنسان الكوني، وتحرر الفرد من قفص خوفه من مناقدة الأفكار التي يروج لها علماء الدين أو الأحزاب الإسلاموية في سردياتهم المختلفة.


هذا الانفكاك ليس بالأمر الهين، لأنه حَفرَ عميقاً في أذهان الناس، وأصبح جزءا من تصوراتهم ويقينياتهم عن “المقدس”، لذا فالمهمة دقيقة في كيفية علاج المشكلة، خصوصاً في ظل استخدام الدين وسيلة في الصراعات السياسية والطائفية في العالمين العربي والإسلامي.


هل ذلك يعني أنه على المثقفين والفلاسفة أن يتريثوا، ولا يلامسوا المناطق الغائرة في “الخطاب الديني” أو يسعون للالتفاف عليها وارتداء قفازات ناعمة وأقنعة تخفي حقيقة مواقفهم؟ الجواب بظني، هو: لا! لأن الخليج العربي يعيش اليوم مرحلة تغير تاريخية، تبذلُ فيها جهود حثيثة للتأسيس لوعي مدني صرفٍ متصالح مع قيم العصر، بعيد عن الانغلاق والتعصب.

وهذا الوعي لا يمكن أن تزداد جذوته، ما لم تكن مختلف القضايا الفكرية، وفي مقدمتها “الخطاب الديني” محل دراسة منهجية وتفكيك لمتبنياتها الصلبة، وإلا سيراوح التغيير المجتمعي مكانه، ولن يكون إلا شكلياً ومؤقتاً.


* كاتب وباحث سعودي

التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية