معالجة محترفة متحررة من كل العقبات التقنية
"سارق الدراجة" لدي سيكا... واقعية البؤس والعذاب في التجربة الإنسانية
لأسباب تتعلق بالثقافة السينمائية ومحاولة استكشاف أفاق أخرى، انتقيت عدد من روائع السينما الإيطالية الحائزة على جوائز وبالأخص أفلام الواقعية بأساليبها المتباينة الاجتماعية والسيكولوجية والشكلية، وهي كما تعرف بسينما إيطاليا بعد الحرب، ولفت نظري فيلم "سارق الدراجة" للمخرج "فيتوريو دي سيكا" أحد أهم رواد الواقعية الحديثة.
الفيلم من إنتاج 1948 وحائز على جائزة الأوسكار الفخرية، وجائزة البافتا، وغيرها. وتدور قصته حول أحد العاطلين الذي يبحث عن عمل، وعندما تم اختياره للعمل كان عليه شراء دراجة هوائية، وباع كل ما يملك من أثاث في المنزل ليباشر عمله بحماس. لكن الدراجة تسرق منه، وسرقة الدراجة تعني سرقة عمله كله، فظل مع طفله الصغير يبحثان عن الدراجة في كل الدروب والأسواق وفي ملامح الوجوه التي تنظر إليهما وعبر كل نظرة من متشرد يلتقي بهما في الشارع، ومع هذه المأساة الإنسانية يضحكنا دي سيكا أحياناً، لكن الضحكة تظل مُرة، تخرج من قلب ملتاع لمأساة الإنسان في عالم يسوده نظام بالٍ رغم بهرجته وادّعاء التقدم فيه.
رسم ديسكا في هذا الفيلم ملامح مجتمعات تضيع فيها القيم بلا رحمة ولا شفقة، فلا عجب حين يضرب الأب أمام طفله الصغير في الشارع، لأنه أقدم مضطراً على سرقة دراجة بديلاً عن دراجته المسروقة، أو أن يدور طفل بعمر الزهور مع أبيه ولا يستطيع حتى أن يقضي حاجته خلال لحظات قصار من الراحة والاسترخاء، وحين يدبّ اليأس في نفوس هذا العاطل المسكين فاقد الدراجة لا يملك إلا أن يمسك يد ابنه ويسيران في زحمة الناس ممن احتواهم مجتمع يسخطون على نظامه، عند ذلك تنسى ضحكاتك كمتفرج وتشعر بالمرارة وتفكر طويلاً.
هذا الفيلم ذكرني بفيلم "الأرض تمتد" للمخرج الإيطالي فيسكونتي المكرّس بمجمله لتصوير أزمات بعض النماذج البشرية التي يشكل بؤسها وعذابها نموذجاً للتجربة الإنسانية ويحس المرء لدى رؤيته هذه الأفلام بروعة المتطلبات السيكولوجية والدرامية، وتميزها بعمق إنساني لا مثيل له في العديد من الأفلام الأخرى، وانتزاع الموضوع حياتياً عميقاً من قضايا الناس المسحوقين بلا رحمة.
واللافت في طريقة عمل المخرج دي سيكا، تنوع اللقطات، فمن اللقطة البعيدة التي تملأ المكان والشارع، إلى اللقطة القريبة على الممثل "لامبريتو ماجوراني" وهو ينظر إلى الدراجة، وكذلك اللقطات التقريرية. أي اللقطة التي تحدد المشهد وما يحيط به، أو العلاقة بين التفاصيل التي سوف تعرض فيما بعد على المشاهد في لقطات أقرب. كانت حركة الكاميرا تنساب بانسجام متماسك وهي الشخصية الرئيسية في الفيلم كما كان يقول دائماً المخرج البولندي انرديه فايدا.
فيلم "سارق الدراجة" وبالرغم من تصويره في العام 1948 إلا أنه أنجز بطريقة محترفة متحررة من كل العقبات التقنية من قبل فريق عمل كان يناضل في سبيل التحولات الثورية في إيطاليا، سرّاً أو علانية، ولهذا فقد وصل إلى شرائح واسعة من شعوب العالم بقصته المدهشة وشبكة الأحاسيس. فيلم يترك عند المشاهد توتراً عاطفياً مؤثراً ويقرّبك من فهم أعمق للعالم الذي نعيش فيه بخيره وشره.
هذا الواقع هو ما تحاول السينما اكتشافه عن طريق الاختيار للعينيات التي نعيشها زماناً ومكاناً لكننا في معزل عنها.
