العدد 4432
الأربعاء 02 ديسمبر 2020
جعفر المبارك
العاطلون واستحقاقات دعم الجمعيات الخيرية
الجمعة 06 نوفمبر 2020

بعد أن يبذل الآباء والأمهات جهودا كأداء مضنية من أجل تخريج أبنائهم من ثانوية أو جامعة، بدءا من شراء قرطاسيتهم طوال 12 عاما أو يزيد، أو زيهم المدرسي المكلف، أو مجسمات لأنشطة مدرسية داخل الصف وخارجه ضمن إطار المدرسة، وبعد بلوغ الأبوين المكابدة والإعياء نفسيا وماليا يأتي على جسديهما، فيبقيان أمام قدر الأمراض المزمنة الطويلة المرهقة بعد حروب  طاحنة من المتابعة اليومية لاختبارات قصيرة يومية، أو أسبوعية، أو شهرية، أو منتصفية، أو نهائية، وزارية، أو وطنية، تسلب الراحة من الآباء والأمهات، ومن الأسر عموما، يمنون النفس بوظيفة تكفيهم ذل السؤال، والانتظار في طوابير المحتاجين على أبواب الجمعيات الخيرية والاجتماعية رغم قوتهم الجسدية وتطلعهم للعمل وفي أقسى درجات العمل المنهك، يقفون على أبوابها وهم يسردون حكايا الإحباط والغضب، ويصفون بكل حرقة وألم مراحلهم الدراسية الطويلة، فلم ينصفهم المجتمع، ولم ينالوا استحقاقهم الوظيفي، فباتوا وكأنهم غرباء في وطنهم، خصوصا إذا اقترنت عطالتهم بسنوات طويلة من الانتظار والترقب المميت وسط الوعود الزائفة من هذا الطرف أوذاك،وفي ظل تسكين الوجع بعلاوة تعطل زهيدة منقطعة_ رغم الوفورات المالية المليونية المخصصة، فلا سوق عمل احتضنهم، ولا ديوان خدمة رحب بهم، ولا هيئة سوق عمل انتصرت لهم، ولا مجلس شورى أو نواب تمكن من تشريع قانون ملزم يرجع الحق إلى نصابه لهم، وكأن ما تعلموه على مقاعد الدراسة إنما كان حبرا على ورق، لا يسمن ولا يغني من جوع.

وينتقل ذلك الإنسان من تواق لخدمة الوطن إلى فرد ساخط يائس، يعيش الآلام والآهات ويندب حظه المبكي. وتزداد الآلام والآهات إذا كان الخريج مؤهلا كالطبيب والمهندس والمحامي والطيار والمعلم والصيدلاني والممرض ومن شاكلهم الذين كلفوا خزانة الدولة ملايين الدنانير، وأنهكوا آباءهم مبالغ طائلة خصوصا إذا كان من الدارسين في الخارج على نفقته الخاصة، فبدل أن يتم استثمار الطاقات المختزنة في الشباب والشابات يستمر تعطيلهم - بفعل فاعل -  قسريا ليلتحقوا وبجدارة مع قطار العاطلين البائس، رغم الجهود الرسمية المبذولة والبرامج السنوية التي تعلن والمشروعات الحكومية التي تنقش في الصحف للتخفيف عن العاطلين، وكارثية البطالة اجتماعيا مؤكدة بالملاحظات والدراسات.

والأسرة المعطولة عنها (أفرادها عاطلون) تتجرع السم ثلاث مرات،في المرة الأولى جراء تكاليف الدراسة الباهظة من الأول الابتدائي، بل من الروضة، وحتى التخرج من الثانوية، أو من المراحل الجامعية المتعددة، وثانيها نتيجة للأذى النفسي الفادح الذي يكتنف الشباب ولا حول لهم ولاقوة، وثالثها رؤيتهم لمواقعهم التي كان من المفترض أن يتبؤوها تذهب أدراج الرياح إلى الوافدين، وهم يتفرجون على لقمة عيشهم تسلب من أفواههم دون حق.

والجمعيات الخيرية إزاء هذه المعضلة لابد أن تقول كلمتها الفصل وتأخذ دورها التنموي التنويري في التخفيف من حدة البطالة المميتة لشبابنا عبر تبني البرامج التحفيزية، وخلق شراكات عمل فردية، أو جماعية شبابية من خلال مشروعات تعاونية مدعومة جزئيا أو كليا من تلكم الجمعيات التي أضحت حجر الزاوية التي يجب عليها أن تنهض بالمجتمع دون تردد، وتصنع الأمل للشباب، وتحررهم من نزعات اليأس، والإحباط، والإحساس بالظلم، والكبت، والفشل الاجتماعي القاتل عبر احتضان قدراتهم المبدعة في شتى ميادين العمل المنتج، وتوفر لهم حاضنات الأعمال التي تنطلق بهم نحو إثبات الذات، فبسطات بيع الأسماك والفواكه، والحدادة، وصناعة الألمنيوم والنجارة والزراعة وتطوير المهارات التقنية في الأجهزة، وبيع العطور والزهور والبخور، وإنشاء مراكز طبية، وصيدليات، وبقالات، ومراكز متخصصة في الإرشاد النفسي والأسري، وفي شتى مناحي الحياة الإدارية، والمحاسبية، والإعلامية، والتسويقية،  وعبر ورش عمل تخرج من الإطار النظري إلى الواقع العملي، ليتم تأسيس شركات شبابية واعدة برأس مال مدعوم من الجمعيات الخيرية كمساندة ومن الشباب الطامح نحو حياة فضلى والمثل الصيني المعروف لايغيب على أصحاب الألباب: لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد السمك.

إن تدخل الجمعيات الخيرية  - ولو جزئيا - للمساهمة في حل هذه المعضلة سيحسب إليها، كونها تبنت ملفا وطنيا بامتياز عبر تضمينها لخططها برامج خاصة سنوية بما تتمكن منه  - وحسب طاقة كل جمعية وامتداداتها -  لمساندة العاطلين نفسيا، واجتماعيا عبر تحفيزهم، وتشجيعهم معنويا، وماليا لكي يكونوا منتجين في المجتمع بدل كونهم مستهلكين، وبهذا تتحول الجمعيات من مجرد وسيط لنقل العدس والخبز والأرز إلى صانعة وبتفوق أولئك الأفراد ليتحولوا إلى منتجين للعدس والخبز والأرز.

حينذاك نرفع القبعة لجمعياتنا الخيرية لأنها آمنت بهدف واضح تريد تحقيقه وهو الحد من الفقر ومن البطالة عبر رؤى واضحة ومرحب بها اجتماعيا، ووطنيا، وما ذلك على الجمعيات بعزيز، قليل من التأني، والتفكير، والانفتاح تجدون احتضان فئات العاطلين في قراكم ومدنكم ومناطقكم يخفف عنكم عبئ الصرف عليهم ولو جزئيا.

غير أن المسؤولية العظمى على أجهزة الدولة ومؤسساتها المعنية بهذا الملف لحله قبل أن يقع الفأس على الرأس،فتضحية الدولة بعدد 8260 موظفا أجنبيا يعملون في القطاع العام يحتلون وظائف حكومية وبتخصصات عادية أضحى أمرا ملحا لا يحتمل التأجيل، والتسويف، وإضاعة وقت شباب وشابات يتلهفون للعيش بكرامة في وطنهم، هذه الخطوة إن تمت - إن أرادت الدولة بمؤسساتها -  كفيلة بحلحلة الملف وبنسبة عالية، وحتى ذلك الحين على جمعياتنا الخيرية المبادرة بتبني ما يمكن تبنيه للمساهمة ولو جزئيا في التخفيف من مرض البطالة القاتل عبر أدواتها ووسائلها المتاحة.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .