العدد 4519
السبت 27 فبراير 2021
د. جعفر الهدي
السرد الروائي العربي وتحديات العولمة
الأحد 21 فبراير 2021

رغم التغوّل المتسارع للعولمة، بقي السرد الأدبي العالمي عبر العصور وفياً للمكان والزمان؛ فكلما ألغت العولمة المسافات والأبعاد، وجعلت العالم قرية صغيرة، كلما أعاد السرد تفاصيل الزمان والمكان وجعلهما يتوهجان بالتفاصيل في نصوص خالدة، فكأنّ السرد الأدبي يقف متحدياً لتغوّل العولمة الذي يبتلع كلّ ما هو محليٍّ ويصهره في إطار كوني، إذاً العولمة والسرد يسيران في اتجاه متنافر لكنهما يلتقيان عند حدود الكون وأبعاده.
السؤال الذي يبرز ونحن نتحدث عن عولمة السرد وعن أعمال روائية عالمية خالدة في زمننا المُعَوْلَمِ بالفعل: هل تمّ احتواء السرد الأدبي في إطار العولمة التي ابتلعت الاقتصاد والسياسة وحتى الأيدولوجيا؟
حينما نتصفح المشهد نجد أهم الروايات في القرن العشرين قادمة من كلّ أصقاع الأرض، أوربا، الصين، أفريقيا، أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، لتعيد ألقَ الحضارات وأمكنتها، تعيد فكرة "كونفشيوس" بأن قمة التقدم الإنساني هو الماضي، وتعيد مراكب الشمس وهي تسير على ضفاف النيل في الحضارة الفرعونية، وتعيد تفاصيل "كاتدرائية نوتدرام" على الجانب الشرقي من نهر السين في باريس، تعيد حتى رائحة التوابل في الهند، تعيد البحار التي طمرت والصحاري التي تحولت لأبنية شاهقة.
هكذا هو المشهد فبينما تزداد العولمة تغوّلاً وتذيب الأزمنة والمسافات والأمكنة، يعيد السرد بناء تفاصيل ذلك الزمان والمكان، باستخدام أدوات العولمة نفسها، فالسرد الأدبي في ظل الحداثة وما بعد الحداثة لم يجهر برفض العولمة والنأي عنها، بل تلبس بها وعايشها فكراً وأسلوباً، وحتى أنه استعار أدواتها في النشر والانتشار عبر عولمة النصوص بترجمة الروايات الناجحة لعشرات اللغات، فصارت السردية عولمة تتحدى العولمة.
يمثل السرد الذاكرة المتجذرة للزمان والمكان وما دار فيهما، ففي رواية "الذرة الرفيعة، الصين الحمراء" ينثر لنا الكاتب الصيني الحاصل على جائزة نوبل "مو يان" عوالم الصين على لسان مهمشيها وبسطائها الذين خرجوا من عبودية الإقطاع الفردي إلى عبودية الشيوعية الجماعية، بموازاة ذلك تحول المكان إلى بطل من أبطال روايات نجيب محفوظ الثلاثية، خان الخليلي، زقاق المدق، وغيرها.
هذه الرؤية تجعلنا نطرح ذات الإشكالية على حالة السرد في عالمنا العربي، وهي إشكالية تحويل الأعمال السردية من البيئة المحلية إلى بيئة متصلة بقضايا العالم، كيف نعبرُ بما نملك من موروث لغوي وزماني ومكاني، لنجعله في نصوص سردية يقرأها أي عقل في أرجاء المعمورة.
يمكن القول إننا في بداية مرحلة عولمة عربية للسرد، من خلال توظيف التاريخ بكل تفاصيله المكانية في الكثير من الروايات العربية ومنها "عزازيل" ليوسف زيدان، و"واحة الغروب" لبهاء طاهر، وهما روايتان فازتا بجائزة "البوكر" للرواية العربية عامي 2008- 2009، وهو ما يعني بداية تشكل وعيٍّ بأهمية خلق هذه العولمة العربية التي ستجعلنا حلقة من حلقات العولمة الكونية.
ستظل العولمة تمدُّ السرد بوسائل التحدي، من خلال وسائل التواصل التي أذابت الكثير من فوارق المركز والأطراف، وجعلت الموروث الحضاري بأبعاده الزمانية والمكانية لكل بقاع الوطن العربي موروثاً مشتركاً ومتواصلاً يسمح لكلّ المشتغلين في الكتابات السردية بأن يسهموا في هذه المسيرة التي بدأت وستستمر.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية