العدد 4519
السبت 27 فبراير 2021
جابر خمدن
مشاعر صراف آلي
الأحد 21 فبراير 2021

فني الشركة يعاين الجهاز، فارع الطول، بنظارته الكبيرة يبدو كسمكري أنيق. الموظفة تشير إلى الصراف الآلي:

كان يعمل على خير ما يرام، أعطاله بسيطة، غالبًا بسبب خطوط الاتصال ومشاكل الشبكة، لكنه اليوم لم يعمل رغم محاولاتي.

يرد عليها وهو يفحص الوصلات، مفاتيح الحروف والأرقام :

عادي، الأجهزة تتعب أيضًا.

ينظر في شريط التدقيق الداخلي، الورقي والمحفوظ؛ لا توجد أية إشارة لخلل ما.  يفتح الخزانة، يسحب صندوق الأوراق النقدية فئة ١٠ دنانير، ثم يسحب الصندوق الآخر، فئة ٢٠ دينارًا، يتحسس ملمس النقود؛ لا توجد جعلكة فيها، ناعمة ومتراصة جيدًا، يعيدهما في جحريهما.  ينظف رأس الجهاز، يثرثر مع الموظفة:

لا توجد به علة، سليم، كل وصلة، كل مفتاح، يعمل حسب فحصي الفني.

يخرج دفتر الفحص، يكتب بضع كلمات، ثم يضعه على الطاولة :

وقعي هنا من فضلك.

تمسك سمر بالقلم وتنقش اسمها وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة.  يخرج الفني ويتركها مُسمّرة أمام حجرة الجهاز.

تضعه على حالة التشغيل، يأتي الصوت، كأنه يعد النقود، ثم يختفي ويحل الصمت.  طوابير الزبائن تزداد في الخارج، بعضهم يلوّح لها من الزجاج،  وآخر ينظر في ساعة معصمه ويتذمر.

لا ألومها، تلك المسكينة، فهي مثلي، تصرف النقود، تواجه أناسًا بأمزجة شتى، كم مرة صرفت لبعضهم أكثر من حقهم، عشرة دنانير ناقصة هنا، عشرون هناك، في نهاية الشهر، إنذار وخصم للمبلغ من راتبها.  أنا شريكها في المحنة، لكن من يتصور أو يفكر بمشاعر جهاز، يعمل كروبوت، ربما هي تجد من يشفق عليها، صديقاتها، زوجها، أمها، أبوها، أما أنا فلا أنتمي لهذا العالم البشري، المشاعر والأحاسيس تخصهم وحدهم.

وحين ينتهي دوام العمل، يُخيم الصمت ويفترش المكان، وأنا ساهر ووجهي يطل على الشارع الكئيب، كلما تقدم الظلام وزادت حلكته، ازدادت وحشتي، إلا من بعض السكارى والعابثين. أتذكر مرة وضع رجل بطاقته ونسي رقمه السري، وأخذ يبصق علي وهو يقول:

لعنك الله، ألا تتذكرني، كم مرة سحبت منك، يجب عليك حفظ رقمي أيها الأحمق.

ثم أخذ يتمايل وسقط قربي.

ذات ليلة قارسة، صب علي أحدهم نصف زجاجة ويسكي وهو يشتمني لأنه لم يحصل على نقوده، كان رصيده أصفارًا.  كم أكابد مثلها في هذه الغرفة الصغيرة، لا أحب هذا المكان ولا أرتاح لناسه، لو ينقلونني لشارع راقٍ، في مدينة حيوية جميلة، أرى الوجوه الباسمة والأرواح المنطلقة، أما هذا الطريق القذر فليس فيه إلا الحثالة، شارع مترب، حتى الاشجار ملت وقوفها فيه منذ الأزل .

لن أعود إلى العمل.. فلتنطبق السماء على الأرض، آن وقت الرفض، الآن أعلن لهم أني أكره المكوث هنا إلى الأبد،  طالما أنا في حصاري المنسي في المتر الإسمنتي المربع؛ فلن أعود كما كنت، أنا أتوقف  اليوم بملء إرادتي.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية