العدد 4800
الأحد 05 ديسمبر 2021
د.احمد يوسف العبيدلي
إشكاليّة المواءمة بين مخرجات التّعليم ومتطلّبات أسواق العمل المتجدّدة
الثلاثاء 30 مارس 2021

اعتمدت جميع الدّول الأعضاء في الأمم المتّحدة في عام "2015" أهداف التّنمية المستدامة والتي ُتعرف أيضًا باسم الأهداف العالميّة، باعتبارها دعوة عالميّة للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتّع جميع البشر بالسّلام والازدهار بحلول عام "2030". فأهداف التّنمية المستدامة، والّتي يبلغ عددها سّبعة عشر هدفًا، متكاملة؛ من منطلق أنّها تدرك أنّ العمل في مجالٍ ما سيؤثّر على النّتائج في مجالات أخرى، وأنّ التّنمية يجب أن توازن بين الاستدامة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة.

ومما لاشكّ فيه أنّ مملكة البحرين في العهد الإصلاحيّ الحديث لحضرة صاحب الجلالة الملك "حمد بن عيسى آل خليفة" عاهل البلاد المفدّى حفظه اللّه ورعاه، سعت سعيًا حثيثًا لتحقيق أهداف التَنمية المستدامة في الوقت الحاضر، والّتي ستوصلنا بإذن الله إلى تحقيق الرّؤية الاستراتيجيّة لمملكة البحرين "2030"، والّتي يقودها ويشرف على تنفيذها صاحب السّموّ الملكيّ الأمير "سلمان بن حمد آل خليفة" وليّ العهد رئيس مجلس الوزراء الموقّر، لوضع مملكتنا الحبيبة على خارطة الطّموح والتّحدّي العالميّة، وجعلها مركزًا حضاريًا مشرقًا للابتكار.

اعتمدت رؤيتنا الّتي شعارها "من الرّيادة إقليميًّا إلى المنافسة عالميًّا" ثلاثة مبادئ أساسيّة تمثّلت في "الاستدامة والتّنافسيّة والعدالة"، حيث إنّ الإنسان دائمًا وأبدًا هو الرّكيزة الأساسيّة، وهو الّذي يمتلك الكفاءات والمواهب والقدرات الإبداعيّة والابتكاريّة بمساندة نتائج البحوث العلميّة والمعارف وتطوير "مهارات القرن الواحد والعشرين"، والّتي عزّزها حقّ التّعلّم الّذي ثبّته دستور مملكة البحرين، وكرسّه قانون التّعليم وقانون الطّفل والعديد من القرارات الوزاريّة المنفّذة له. وقد تمّ تعزيز الحقّ في التّعليم قانونيًّا بإلزاميّة التّعليم الأساسيّ للجميع، وجعله مجّانيًّا لجميع المواطنين في جميع مراحله الأساسيّة والثاّنويّة بالإضافة الى الدّعم السّخيّ للدّراسة في المرحلة الجامعيّة.

اتّخذت مملكة البحرين طريق تحقيق التّوازن بين جودة التّعليم، والاستثمار في قطاع التّعليم الأساسيّ والتّعليم العالي، والمواءمة بين ما يقدّم من مؤهلات وبرامج أكاديميّة في المؤسسات التّعليميّة، وما تتطلّبه أسواق الأعمال المتجدّدة من معارف ومخرجات وتلمذة مهنيّة راقية. حيث يعتبر سوق العمل جزءًا من المنظومة الاقتصاديّة الّتي تتحقّق فيها عملية التّفاصل الدّيناميكيّ بين عرض العمل والطّلب عليه، وصولًا إلى تحديد المستوى المتوازن المطلوب.

يؤهّلُ التّعليم الأساسيّ والثّانويّ عادةً شريحةً كبيرةً من الطّلبة لإكمال دراستهم الجامعيّة والتّخصّصيّة، حيث لدينا في مملكة البحرين تحت إشراف وزارة التّربية والتّعليم مدارس حكوميّة ومدارس خاصّة، يتخرّج منها أبناؤنا الطّلبة، وينخرطون برغبتهم الذّاتيّة المحضة إمّا في إكمال دراستهم الجامعيّة أو التّوجّه لسوق العمل.

 ومن المعلوم أنّ اتّساع الفجوة بين مخرجات التّعليم ومتطلّبات سوق العمل الدّائمة التّغيّر، ظاهرة عالميّة لا تقتصر على شكل الاقتصاد ونظامه، ولكنّ التّخطيط الاستراتيجيّ للمواءمة بين مخرجات التّعليم وأسواق الأعمال المتجدّدة يلعب بعدًا إيجابيًّا، ولا سيّما إذا اعتمدت خطّة استراتيجيّة متكاملة لدراسة هذه الفجوة وصياغة الحلول النّاجعة عبر "فريق عمل" يضمّ منظومة متكاملة متعاضدة تقدّم الحلول الاستراتيجيّة العمليّة والعلميّة.

التّحدّيات الجسام لجسر الهوّة بين مخرجات التّعليم ومتطلبات أسواق الأعمال، على سبيل المثال وليس الحصر:

أوّلاً: المؤسّسات التّعليميّة الحكوميّة والخاصّة "مدارس وجامعات" مؤسّسات حضاريّة تّنمويّة مواكبة لنسق وواقع الحياة المتغيّر والمتسارع بفعل التّقنيات الحديثة، وشريك فاعل في التّنمية البشريّة وفق رؤية "2030"؛ لذا يجب العمل على إيجاد آليّة فاعلة لإشراك هذه المؤسّسات التّعليميّة في صياغة واتّخاذ القرارات الاستراتيجيّة؛ بما يسهم في تحسين جودة مخرجات التّعليم، وتقديم الحلول النّاجعة لجسرالهوة بين مخرات التّعليم ومتطلبات سوق الأعمال المتجدّدة.

ثانياً: دراسة تدشين مقرّرات جديدة في المراحل التّعليميّة المختلفة، وفي مرحلة الدّراسة الجامعيّة، تسهم في إثراء الذّكاء الصّناعيّ، وإغناء مشاريع أبحاث الطّلبة المبدعين، والأمن السّيبرانيّ وتخصّصاته، وعلوم وتخصّصات الطّاقة الخضراء البديلة المتجدّدة، بالإضافة إلى دعم الإبداع بكلّ تخصّصاته وأشكاله، وعلوم الْفضاء والسّياحة.

ثالثاً: تطوير التّعليم المهنيّ والفنّيّ التّقنيّ، وربطهما كمشروع للتّخرّج ببرنامج التّلمذة المهنيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه لا يُمكن لبرنامج التّلمذة المهنيّة أن يكون فعّالًا إلّا إذا تبنّته الشّركات والمؤسّسات في القطّاعين العامّ والخاصّ، وساهمت في صياغته، وأشرفت على تنفيذه.

رابعاً: تعزيز الأوّليّات، والاستثمار المعرفيّ؛ لجعل المواد التّعليميّة الرّئيسة "الرّياضيات والعلوم واللّغة الإنجليزيّة واللّغة العربيّة" تأخذ حيّزًا أكبر من التّشجيع والدّعم. بالإضافة إلى تشجيع طلبتنا على الانخراط في اختبارات التّوجّهات الدّوليّة للرّياضيّات والعلوم (التّيمز) الّتي تعتبر من المؤشّرات الأساسيّة في مجال التّعليم والتّنمية البشريّة من قبل المنظّمات الدّوليّة (دراسة فعاليّة المناهج المطبّقة واستراتيجيّات التّدريس). وكذلك الامتحانات الدّوليّة الأخرى الّتي لا تقلّ أهمّيّةً، مثل: امتحانات (بيرلز) لقياس مدى تقدّم القراءة وغيرها.

خامساً: العمل مع أولياء الأمور والمؤسّسات التّعليميّة لتعزيز ثقافة إعداد مواطن المستقبل، وبناء شخصيّتة المعتمدة على نفسها في التّعلّم والتّحصيل الذّاتيّ، بحيث يكون قادرًا على إنتاج المعرفة، ويكتسب المهارات الأساسيّة عبر التّمهّن المدروس؛ وذلك لرسم طريقة إبداعيّة بالتّفكير الإيجابيّ المحفّز على المشاركة في المنتديات التّشاوريّة الافتراضيّة الّتي تُفضي إلى تطوير التّفكير الإيجابيّ والتّخطيط السّليم وّمُتابعة متطلّبات مهارات القرن الواحد والعشرين للتّنمية البشريّة.

سادساً: القطّاع الخاصّ محور الاقتصاد الحرّ، وأحد أهمّ الجهات الاقتصاديّة الفاعلة في استقبال مخرجات التّعليم العالي، وله مؤسّساته الرّسميّة الّتي تمثّله، وهو يعتبر رافدًا أساسيًّا في تحديد توجّهات السّوق؛ فمن الضّروريّ مشاركة هذا القطاع الحيويّ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ توثيق الرّوابط وتعزيزها مع عالم سوق العمل المتجدّد بحاجة الى الخطط الاستراتيجيّة المبنيّة على التّخطيط العلميّ السّليم، مع تلمّس مؤشّرات الاقتصاد الّتي تتمركز على اقتصاد الإبداع والاقتصاد المعرفيّ مع زيادة قدراته التّنافسيّة، وربطها بالخطط الآنيّة والمستقبليّة.

سابعاً: نشر ثقافة التّعليم والعمل "صنوان"، والتّدريب على مهارات العمل الأساسيّة، ومهارات العمل التّخصّصيّة (مهارات القرن الواحد والعشرين)، والتّأقلم مع بيئة وثقافة المؤسّسة وموظّفيها وعملائها لتتّسع فكرة التّطبيق العمليّ للمهارات والمعارف الّتي يدرسها الطّالب الجامعيّ، وتعطى للخرّيجين عبر برنامج "تلمذة مهنيّة" مدروس المساحة الكافية لتطبيق الأفكار الخلّاقة والمهارات على أرض الواقع.

ثامناً: تقديم دراسات مستفيضة من قبل الوزارات والهيئات المعنية بالتّعليم والعمل بالتعاون مع صندوق العمل "تمكين"؛ لتلمّس احتياجات المهارات والمعارف في أسواق الأعمال في القطاع الخاصّ عبر شراكة فاعلة مع ممثّلي القطاع. كما أنّ دعم أجور الخريجين وجعلهم الخيارالأفضل للتّوظيف بحاجة إلى تخطيط استراتيجيّ منظّم، وهذه المبادرة ستضفي بعدًا استراتيجيًّا مهمًّا بلا شكٍّ سيوائم بين خرّيجينا واقتصاد إبداعيّ معرفيّ متجدّد.

تاسعاً: تشجيع "المبادرات" الطّموحة وتمويلها لصغار المستثمرين، وجعل حاضنات الأعمال قاعدة أساسيّة لتطوير الاقتصاد الإبداعيّ. والّذين يقرأون لا ينهزمون، لأنّنا تعلّمنا أنّ العلم والمعرفة هما طريقا التّنمية والتّرقي، وأنّ الدّخول في عالم اقتصاد الابتكار يفضي إلى إنشاء مهن وتخصّصات جديدة. ونحن نحتاج أن نختار ونقرّر لأنفسنا، بدل أن ننساق في خيارات يقرّرها الآخرون نيابةً عنّا.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .