العدد 4666
السبت 24 يوليو 2021
د. رائد ناصر المبارك
لماذا مازلنا نُدّرس المستقبل بعلوم الماضي؟ (2/2)
الإثنين 21 يونيو 2021

عندما انتقلت الى كندا في عام ٢٠٠٨ قمت بتسجيل ابنائي في المدرسة في منطقة اونتاريو (والذي سبقونا بنظام المناطق التعليمية بما يزيد عن ال ٢٠ عاما) وفي اول يوم قابلنا مدير المدرسة بنفسه وسألته عن الكتب المطلوبة والكراسات (حيث ان ابنائي كانوا في المرحلة الابتدائية آنذاك) فأجاب بابتسامة: لا نحتاج كتب او كراسات كل ما نحتاجه هو حضور الطلاب فقط فنحن نركز على جعل الطالب يحب الدراسة ونربطها بالواقع لا ا ن ينفر منها. وقبل بدء الدراسة بأسبوع اتصلت بمدير المدرسة لاستفسر منه عن المتطلبات مرة أخرى، حيث اننا في الدول العربية ننقضي الشهر الأول من العام الدراسي في توفير القرطاسية والكتب وغيرها، فأجابني: بأنهم لا يحتاجون شيء! في تلك الفترة كان مستوى التعليم في كندا الثامن عالميا، وانا كنت مندهش من هذه الطريقة مقارنة بطريقة الحشو والتلقي في دولنا العربية. بعد مرور اليوم الأول للدراسة استفسرت من ابنائي عن طريقة التدريس في هذه المدرسة الحكومية، فردوا بأنه يتم تدريسهم بطرق مبتكرة مع اللعب الذي يناسبهم ويتم توفير لهم فقط أوراق (A4) بدون واجبات او ما شابه والذي تقضي على وقت الطالب دون فائدة تذكر. بعد مرور شهرين تقريبا وعند زيارتي للمدرسة في اليوم المفتوح رأيت كيف كانت الطرق الإبداعية في التدريس تُحبب الطالب للدراسة بل ينتظر الدوام الدراسي من يوم الى اخر. اذن هل هذا الجيل سوف يتقبل طريقة التلقي الكلاسيكية؟ والى اين سوف يؤدي هذا التعليم في الوطن العربي؟ يقول المهندس عبدالله الحويحي (رئيس تجمع الوحدة الوطنية) في كتاب "جيل الانترنت الوطن العربي"، ان مناهج الدراسة في الدول الغربية كميتها قليلة مقارنة باللغة العربية ولكنها متقدمة، ونترك للقارئ الكريم ان يحدد هل دولنا العربية متقدمة؟

 

عندما نضطلع على التجارب التي تفوقت في مجال التعليم والتدريب وحسب المؤشرات العالمية، نرى ان هناك دول استخدمت التدريب والتعليم المسمى التلمذة المهنية (Apprenticeship) والذي تطبقه سويسرا منذ فترة بحيث يتم تدريب الطالب منذ الصغر على اختيار التخصص الذي يفضله ويتم خلال التعليم تدريبه على بعض المهارات (مثل المحاسبة والحاسب الالي والبنوك من ضمن ٢٤٠ تخصص متوفر) مع دفع راتبا شهريا له اثناء التدريب بحيث عندما يتخرج الطالب يستطيع العمل مباشرة وتكاد البطالة تكون معدومة في سويسرا،  اما الخيار الثاني في سويسرا فأن الطالب يستطيع مواصلة التعليم الأكاديمي متى ما أراد ذلك. الدنمارك طبقت نظام الدراسة المزدوج (Mixed Category) بحيث يتم استخدام التلمذة المهنية التي تم ذكرها سابقا مع نظام التدريب المهني والفني مما ينتج عنه تجهيز جيل جديد يغطي التخصصات التي تحتاجها الدنمارك للسنوات القادم. اما في بريطانيا ومعظم الدول الاوربية وسنغافورة فأنها تطبق نظام المدرسة المهني (School-based training and education) بحيث يتم تجهيز الطالب لسوق العمل منذ الصغر مع وجود الشهادات الدراسية المهنية والتي تتحكم بها جهات محايدة ويستطيع هذا الطالب مواصلة الدراسة في أينما شاء ذلك. اما النظام الأخير هو نظام التعليم العام (School-based) والذي يتم فيه التركيز على العلوم الأساسية ويتم تطبيقه في كندا وامريكا والبحرين وبعض الدول العربية، بحيث يتم تسليح الطالب بالعلوم والآداب وغيرها مع بعض الدورات المهنية، وفي نهاية المطاف يستطيع الطالب بعد التخرج مواصلة التعليم الأكاديمي او المهني، حيث ان شعار أمريكا "التعليم للجميع". عندما كنت اراجع مع ابني في احدى مدارس كولارادو الامريكية، استوقفتني طريقة تدريس مادة الرياضيات، فهم لا يركزون على المعادلة الرياضية التي يطلب منك حفظها دون معرفة معناها، بل يطلب منك تطبيق هذه المعادلة من الواقع والبحث في الانترنت عن أجوبة للأسئلة الرياضية التي تربط الدراسة الاكاديمية بالواقع، هذا كان في عام ٢٠١٠!  نستخلص من تجارب هذه الدول التعليمية ان انواع التعليم لها علاقة مباشرة بالتدريب وسوق العمل ورأينا دول مثل سويسرا او سنغافورة يكون فيها مؤشر التعليم هو الأعلى على مستوى العالم وفي نفس الوقت تكاد البطالة تكون معدومة.

 

إذا اتجهنا لبحريينا الحبيبة (وعلى غرار الدول العربية الأخرى)، فنرى اننا مازلنا نُدّرس المستقبل بعلوم الماضي بالرغم من الجهود المبذولة والميزانيات المصروفة واخرها التقسيم المناطقي، ويستطيع أي شخص الرجوع الى مؤشرات الأداء العالمية في مستوى التعليم ويرى أين وضع والدول العربية بشكل عام. نستعرض هنا بعض الاقتراحات للنهوض بالتعليم في الوطن العربي: رفع مستوى مدرسي التعليم المهني في المدارس الصناعية لمواكبة العصر، تجهيز المدارس الصناعية بالتكنولوجيا مثل الذكاء الصناعي ، وضع هيكل للانتقال بين المدراس والجامعات في القطر الواحد او الوطن العربي، التركيز على اعتراف الجامعات العالمية بخريجي المدارس في الوطن العرب، استحداث تراخيص Licenses  للوظائف المهنية لرفع جودة العاملين في السوق، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بالنسبة للقائمين على المؤسسات المهنية والصناعية من خلال خلق قيادات مهنية في المدارس المهنية.

 

ان الابتكارات والاختراعات وريادة الاعمال تبدأ من ظهور تحدي وبالتالي يتم وضع الحلول لها، وهذا ينطبق على التعليم في الوطن العربي، فكلما كانت هناك تحديات كان هناك تفكير وابداع للنهوض مرة أخرى لكي نُدّرس الان بعلوم المستقبل وليس الماضي.

 

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .