العدد 4851
الثلاثاء 25 يناير 2022
د. جميلة السعدون
أنا والجائحة
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021

بدأ فايروس كوفيد - 19 في مدينة ووهان الصينية في أوائل شهر ديسمبر عام 2019. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت رسميًا في 30 يناير 2020 أن تفشي الفيروس يُشكّل حالة طوارئ صحية عامة تبعث على القلق الدولي، ثم أكدت أن هذا الانتشار والتفشي قد تحوّل إلى جائحة يوم 11 مارس 2020. تكاثرت المعلومات وتوالدت من حيث ندري ولا ندري. الجميع أفتى في طبيعة الفايروس ومنشئه وطريقة دخوله لجسم الإنسان وطريقة مكافحته، حرفيًا الجميع، وكنا بين مصدق ومنكر لكثير مما نشر حوله.

بعد مرور أكثر من عام على هذه الجائحة أجدني أسترجع ذكرياتي.. وأتساءل كغيري: ماذا فعلت بنا جائحة كورونا؟ كيف بدأنا بالتحصن وإلى أين وصلنا؟

تغيرنا جميعنا.. بلا استثناء.. بعض التغيير كان طوعيًا والآخر قهريًا. كان بيننا ومازال جماعة المؤامرة الكونية (المصرين على أن هذا البلاء هو محض تلفيق). حديثي هنا عنّا نحن الغالبية ممن سمع من أولي الاختصاص، وأطاع ونفذ توجيهات أولي الأمر. جميعنا (أو الأغلب) قام بعمل احترازات وقائية، بدأنا بشراء المعقمات والمطهرات بشكل أكثف من ذي قبل، قمنا بغسل وتعقيم كل شيء.. كل شيء.. بما في ذلك مشتريات السوبرماركت.

مسحنا الأرضيات بمضادات الجراثيم، مسحنا مقابض الأبواب، التزمنا بخلع أحذيتنا (أعزكم الله) قبل الدخول للمنزل، غسلنا أيدينا بالصابون بطريقة صحيحة لمدة عشرين ثانية على الأقل. لم نغادر المنزل إلا للضرورة القصوى، أدينا أعمالنا من المنزل. وخلال ذلك أصبحت الأجهزة الإلكترونية هي سيدة الموقف؛ اجتماعات العمل/ التدريس/ اللقاءات/ اللعب/ الترفيه، إلخ. غدت أجهزة اللعب الالكترونية هي الوسيلة الوحيدة التي ساعدت الأبناء على الهدوء وأبقتهم في المنزل مما أدى إلى شح تواجدها في السوق لفترة.

مما حدث كذلك أننا اختصرنا المحيطين، صنفناهم حسب الأهمية إلى درجة أولى و.. فقط! قاطعنا التواجد مع من هم دون ذلك.. ليس طواعية في الغالب. لن أنسى كذلك القطعة النسيجية الأكثر أهمية التي أضفناها إلى أزيائنا والتي مازالت ترافقنا حتى اللحظة (أعني هنا الكمامة بأشكالها وأنواعها وألوانها المختلفة التي وجد البعض من إلزاميتها فرصة سانحة للتكسب).

لكن... ماذا فعلت بي حقًا جائحة كرونا؟

بشكل عام والجميع يعلم أن هناك عوارض نفسية لحالة الإغلاق التي فرضتها علينا الجائحة. نجح البعض في تجاوزها وفشل الآخرون. بيّنت بعض الدراسات أن القلق والتوتر والانفعال كانت من أبرز التأثيرات النفسية التي أثرت على البشرية في فترة انتشار وباء كورونا والإغلاق الذي طال معظم الدول. (بإمكان المهتم أن يراجع الدراسات والبحوث التي نشرتها المجلات العلمية في هذا المجال للإستزادة). بالنسبة لي ولمحيطي الضيق لم يؤثر هذا الإغلاق عليّ بشكل كبير (أو هكذا ظننت)؛ فمن ناحية النظافة والتعقيم أجد أنني في العادة أبالغ في ذلك الأمر (من قبل وقوع الوباء). كنت أظن لوهلة أنني مصابة بوسواس قهري، لكنني لست كذلك، إلا أنني آنف مثلا من الدخول إلى الأماكن المشتركة كالحمامات (أعزكم الله) فلا أدخلها إلا للضرورة القصوى، مما سبب لي مشاكل في الكلى. الشيء الطارئ -على روتين النظافة اليومي- كان غسل البضائع التي كنا نشتريها من السوق فقط.

وبالنسبة للحياة الاجتماعية فكوني إنسانة كرّست نفسها لعملها وأسرتها فلم أشعر بأن هناك ما ينقصني، بل على العكس.. زاد الوقت مما جعلني أعمل فيه أكثر. وللأسف لم أكن أدرك أن جلوسي المتواصل لساعات وساعات وساعات أمام الكمبيوتر سيؤدي بي إلى مشاكل صحية أولها اكتساب كيلوغرامات طيبة، وآخرها آلام في العظام والعضلات في كافة أنحاء الجسد. وكنت كل يوم أقول لنفسي: سأخصص وقتًا للعمل ووقتًا آخر لأداء بعض تمرينات الإطالة (Stretching) وبعض تمرينات المقاومة (Strength training or resistance training)... وطبعًا .. فإن ذلك لم يحدث.

أشد ما أزعجني في مسألة العمل من المنزل كان غياب التواصل المباشر بيني وبين طلبتي. كان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلني أدخل في دوامة جدوى العمل بهذه الطريقة. رغم أنني بذلت كل ما بوسعي لجعل عملية التعليم والتعلم لائقة ومجدية إلا أنني فشلت في كثير من المرات في إقناع نفسي بأن ذلك كان كافيًا. إذ كيف أوجّه الطلبة إلى استخدام درجة معينة من اللون مكان تلك التي تظهر لي من خلال الصورة الرقمية التي أرسلوها لي؟ هل ما أراه من ألوان على الشاشة هي نفسها على الواقع؟ كيف أدرك الأبعاد الحقيقة والملامس والتكوين العام واستشعر الأحاسيس التي تتولد عندما أرى أعمال ولوحات طلبتي بشكل مباشر؟ هل حقُا أديت عملي كما يجب؟

هل وجهتهم التوجيه الصحيح؟ تساؤلات وتساؤلات غزت فكري وأرقت ليالي.. ورغم معرفتي بأن الوضع مؤقت وأن الجميع مبحر في نفس القارب إلا أنني لم أكن مرتاحة. ربما كنت مصابة ببعض من جوانب الاكتئاب ولم أكن أشعر. ما ترتب على ذلك الشعور أنني قدمت استقالتي وطلبت أن أحصل على التقاعد المبكر (بالإضافة إلى وجود دوافع شخصية أخرى كانت مؤجلة ولكنها طفت على السطح مجددًا في هذه الظروف).

في خضم ذلك وفي ظل هذا الخوف من المجهول صادف أن كان زواج ابني البكر.. وهنا وقعت المعضلة: هل أقوم بما كانت ستقوم به كل أم حنون في هذه المناسبة التي تنتظرها بفارغ الصبر.. أم أقوم بتقمص دور الأم الواقعية المتعلمة المثقفة التي يجب أن تضع حساباتها الشخصية -وأحلامها التي رسمتها مع كل سنة كان ولدها يتخطاها- جانبًا؟ أأنفذ وأخطط العرس الأسطوري الذي أعددت له في مخيلتي.. أم أكتفي بانعقاد العقود والقلوب وكفى؟

معضلة حقيقية وقعت بها.. لم يكن رأي المقربين فيها واحد؛ منهم من قال بضرورة عدم إقامة حفل حتى لو اتبعنا فيه جميع الاحترازات الوقائية؛ وبعضهم من قال: هي مرة واحدة في العمر.. خلنا نستانس!

الذي حدث أن تم تحديد موعد حفل الزفاف في شهر نوفمبر 2020، في تلك الفترة (قبل موعد الزفاف بنحو أشهر) كانت قرارات الحكومة واضحة: تُمنَع التجمعات لأكثر من ٥ أشخاص! المشكلة أن للعريس أم وأب وأخت، وللعروس أم وأب وأختان وأخوان! لو كان العدد ٥ يشمل هؤلاء لما جزعنا. ثم بدأت الأرقام بالتزايد شيئًا فشيئًا.. ثم جاء الفرج قبل موعد العرس بأسبوع.. وأعلنت الحكومة أرقامًا أخرى.. وهذه المرة فرّقت بين اجتماعات داخلية، وخارجية (في الهواء الطلق). كانت الأرقام كالتالي: ٣٠ شخص في الصالات الداخلية و ٦٠ شخص في الخارجية. ولكون أقرب المقربين كانوا ٦٠ (العريس والعروس من ضمنهم) قررنا عمل الحفل  outdoor.

عندما أرسلنا بطاقات الدعوة الإلكترونية حرصنا على سؤال المدعوات عن التطعيم، وأخبرناهن أن إدارة الفندق اشترطت أن تقوم كل مدعوة بالتوقيع على إقرار -وتسلمه عند دخولها- ينص على أنها لا تعاني من أعراض المرض وأنا لم تسافر خلال الثمانية والأربعون ساعة السابقة لموعد العرس. كما أنها يجب أن تحضر البطاقة الذكية لتسجيل اسمها ورقمها عند أخذ درجة الحرارة عند مدخل الحفل! الجميل في الموضوع عدم اعتراض المدعوات أو تذمرهن (كما كان سيحدث لو أن الظرف غير الظرف)، بل أحست كل واحدة بأن هذا هو المطلوب عمله وأن الجميع كن في انتظار حفل لتغيير النفسية التي ساءت بسبب البقاء في المنزل.

تمنيت وجود أهلي وصديقاتي في هذا اليوم. حقًا لهؤلاء بهاء وبهجة لا نستشعرهما إلا عندما نحرم وجودهم. لم تتمكن بعض أخواتي ولا صديقاتي من الحضور، بعضهن بسبب تواجدهن خارج البحرين والبعض الآخر بسبب الخوف من التقاط العدوى ونقلها لأهليهم في المنزل.

تفهمت تمامًا ظرف كل واحدة.. ورغم أن حفل الزفاف كان قد تم بشكل مميز وجميل بشهادة الجميع، ورغم أن من حضر من الأهل (من الجانبين) أسعدوا القلب وأضاؤا المكان.. إلا أنني شعرت لأول مرة بأنني يتيمة.

ها هو عام قد مضى على حفل الزفاف.. لو كان لي أن أعيد أي شيء حصل خلال العام الماضي لما قمت بعمل أي تغيير. لا لشيء ولكني أؤمن عن قناعة أن ما قدّره الله كان هو الأفضل، وأن ما تم قد تم بأفضل ما يمكن. فالحمد لله على كل ما قضى وأمر.

كل عام والجميع أسعد وأفضل وأجمل، وكل عام والدنيا بخير.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .