العدد 5005
الثلاثاء 28 يونيو 2022
محمد عبدالحكيم العرادي
الملك "أولفا".. هل حاولت الكنيسة إخفاء حقيقة إسلامه؟!
الأربعاء 08 يونيو 2022

- جنكيز خان سك عملة عليها "عبارات التوحيد" وكذلك فعل هولاكو
- أغلب العملات كانت تسك بعبارات إسلامية لغرض تجاري بحت لتستخدم بالمناطق الإسلامية


هذا المقال يغطي الجانب التاريخي فقط والبحث بالمعطيات والمصادر التي توفرت لنا في هذا الوقت الحالي.


أنتشرت في الآونة الأخيرة بعض المقالات ومقاطع الفيديو تتحدث عن ملك بريطاني كان يدعى (أوفا) الذي حكم بين عامي 757م – 796م.. ويذكر أحد م   قاطع الفيديو أن هذا الملك كان مسلماً بدليل أنه سك عملة عليها عبارات التوحيد كما الدينار الإسلامي العباسي بالتحديد، وأن الكنيسة في ذلك الوقت حاولت إخفاء حقيقة إسلامه، كما أندثرت مصادر كثيرة كانت تتحدث عن إسلامه وعنه شخصياً وكأن هناك من كان يريد إخفاء أمر إسلامه، ونخصص هذا المقال للبحث هل فعلاً كان (الملك أوفا) مسلماً؟

حتى نجيب على السؤال أعلاه، لابد لنا أن نرى الصورة العامة، كان هناك ملك اسمه (أوفا) وهو ملك مملكة مرسيا (بين عامي 757م – 796م) ومملكة مرسيا ماهي إلا إحدى الممالك الأنجلوسكسونية السبعة، وكلمة مرسيا كما تشير بعض المصادر أساسها لاتيني وتعني (أهل الحدود) مع أن منطقة مرسيا اليوم تقع وسط بريطانيا الحالية.

الملك (أوفا) جاء إلى الحكم بعد ما قام بعزل الملك بيورنرد (الذي مات مقتولاً في وقت لاحق).. وكان الملك (أوفا) يتبع سياسة التوسع، أي أنه كان يطمح إلى توسيع مملكته، وبالفعل ضم عديداً من الممالك الأنجلوسكسونية السبعة تحت مملكته.. وهناك بعض المصادر تشير إلى إنضمام ثلاث ممالك فقط، وبعضها أكثر.

السؤال الأن هل فعلاً كان (أوفا) ملكاً مسلماً؟ إن دليل من يقول بإسلامه هم قلة من المصادر التي تذكره، وكأنهم يريدون أن يخفوا أمراً وأيضاً هناك جانب ضرب الدينار الذي كتب عليه عبارة (أوفا ركس)، (كلمة ركس تعني ملك باللاتينية)، وعلى ذلك الدينار وردت عبارات التوحيد.

وللتوضيح أكثر.. فإن المصادر عن الملك (أوفا) كثيرة ومتوفرة إلى يومنا هذا، وبالفعل فإن الملك (أوفا) دخل في صراع مع الكنيسة في حينه، وكان هذا بسبب الصراع التقليدي بين  السياسة والقوة الدينية للكنيسة تحت رعاية جاينبيرهت (أسقف ليتشيفيلد)، وسبب الخلاف بدأ حين قام الملك (أوفا) بمصادرة بعض أملاك الكنيسة وضمها لنفسه، وتطور هذا الصراع والخلافة على القوة حتى قام الملك (أوفا) بدعم البابا أدريان الأول في وقتها.. وقد حاول الملك (أوفا) أن ينقل الكنيسة وقوتها إلى شخص يقوم هو بتعيينه بنفسه حتى يكون طو ع أمره، وهذا الأمر حدث لفترة.

ولا ننسى أنه خلال فترة (أوفا ركس) لم تكن ملامح انجلترا قد بانت بعد، فهي حينها لم تزل سبع ممالك (لا زالت المملكة في هذه الفترة بمرحلة التكوين، وهذا أيضاً بسبب قلة المصادر).

في التاريخ عادة يهتم الملوك والمؤرخون بالأعلام والملوك المعروفين، بينما الملك (أوفا) وقتها كان لايزال يملك مملكة من الممالك السبع، ولم تكن عنده نية توحيد إنجلترا كما يقول المؤرخ البريطاني سيمون كينيس (المؤرخ والمحاضر المتخصص في الممالك الأنجلوسكسونية).. ونرفق بعض الصور والمصادر التي تطرقت لسيرة الملك (أوفا) مما يؤكد أن تارخ هذا الملك معروف ضمن الإطار الزمني وقتها، حين كانت إنجلترا لم تتوحد بعد، مما يعني شح المصادر من الأساس.

النقطة الثانية هي سك عملة مكتوب عليها عبارة التوحيد (لا اله الا الله محمد رسول الله)، ويرى البعض أن هذا دليل على إسلام الملك (أوفا).. وفي الحقيقة هذا الكلام يقودنا إلى مسأله مهمة وهي أنه في عام 133 هجري مع بداية فترة الخلافة العباسية، دارت معركة بين الإمبراطورية الصينية وبين المسلمين، وكانت المرة الأولى والآخيرة التي يتقاتل فيها المسلمون مع الإمبراطورية الصينية، وبعد حرب طاحنة إستطاع المسلمون أن يهزموا الإمبراطورية الصينية، وكان سبب الخلاف تمدد الدولتين حتى وصلتا إلى ما يعرف بطريق الحرير (هذا المسمى أطلقه الجغرافي الألماني فرديناند فون ريتشهوفن في القرن التاسع عشر)، وهذا فيه أيضاً رد على من يزعم أن العولمة حديثة العهد، فهذا كلام غير صحيح، إذ كانت التجارة حاضرة بين الأمم منذ القدم إما عن طريق الحرير الذ كان عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة تسلكها القوافل والسفن وتمر عبر جنوب آسيا رابطة بين تشآن في الصين مع أنطاكيا وبعض الممرات الآخرى، هذا الطريق كان حياً وتجارياً منذ القرن 2 قبل الميلاد حتى منتصف القرن 15 الميلادي، وتبلغ مساحة هذا الطريق ما يقارب 6400 كيلومتر بدأتها حضارة الهان الصينية مع تجارة الحرير المعروف بالصين، ولاشك أن الهيمنة على هذا الطريق ستثري خزينة الدولة من ضرائب على القوافل المارة ومن التجارة،  وهذه نقطة تحسب للخليفة أبو جعفر المنصور لأنه حينها بدأ المرض يشتد على الخليفة السفاح أول خلفاء بني العباس، وبعد هذه المعركة صارت العلاقة الصينية العباسية علاقة دبلوماسية وتجارية بإمتياز، فصار تبادل السلع التجارية وعين السفراء بين الجانبين.

نعود للعملة.. فلو رجعنا لها لوجدنا أن (دينار أوفا ركس) هذا يحاكي الدينار العباسي ( الذي ذكرنا أن في وقته بلغت الخلافة العباسية مبلغ من إنتشار وإزدهار)، وقد إنتشرت في عهد أبي جعفر المنصور الكتب وظهر الإهتمام بالعلوم والتاريخ، مما يدفع للسؤال: لماذا لا نرى أخبار الملك أوفا في مصادرنا الإسلامية العربية بالرغم من أنه مسلم كما يعتقد البعض؟ّ أوليست الخلافة العباسية في وقتها مزدهرة وفيها من العلوم مافيها وبداية توثيق التاريخ وكتابته؟ فلماذا لا يوجد ذكر لهذا الشأن الكبير كما يتصورة البعض؟

بالمقابل أرّخت المصادر الإسلامية أن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلى صلاة الغائب على النجاشي ملك الحبشة (الذي كان اسمه أصمحة، أما في مصادر الغرب أرمحة).

القائد المغولي هولاكو حين هزم الخلافة العباسية واحتل بغداد، وفعل ما فعل، قام بسك عملة عليها عبارات التوحيد أيضاً، وكذلك أحد أشهر أسلافه، ألا وهو القائد جنكيز خان الذي حكم أكبر رقعة في العالم إلى يومنا هذا!..

أيضاً لما أطاح  بالخوارزميين سك عملات عليها عبارات التوحيد،   وكذلك الحروب الصليبية والممالك الصليبية لما كانت تحارب المسلمين في بداياتها، كانت عملاتها تحاكي الدنانير الفاطمية ودراهم هذه الممالك الصليبية عليها عبارات التوحيد، فالشاهد من هذا الكلام أن هذه العملات كانت تسك بالعبارات الإسلامية لسبب تجاري بحت، حتى يكون هناك قبول لإستخدام هذه العملة في المناطق الإسلامية العربية.

وأخيراً أتمنى أن يكون تعاطينا مع التاريخ قد تم بنظرة علمية بعيدة عن العاطفة وبعيدة عن الإسقاطات التي لا أساس علمي ولا دليل لها، ويجب أن نتذكر أمراً مهماً أن التاريخ الإسلامي يختلف عن الدين الإسلامي، فالأول هو من صنع البشر، فيه الخير وفيه الشر، وفيه الدماء والورود كما هي حال تواريخ جميع البشر.. أما الدين الإسلامي، فهذا من عند الله لا تشوبه شائبة، فلا نبغ أن نخلط الأوراق ولا نبرر أموراً لا أساس لها، ولا نسقط إسقاطات غير دقيقة، ولنتذكر أن لا أحد يملك الحقيقة كلها، والتاريخ تؤخذ منه الدروس المستفادة، فهي تجارب أمم سابقة بخيرها وشرها.

إعداد – محمد عبدالحكيم العرادي

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية