العدد 5050
الجمعة 12 أغسطس 2022
د. جميلة السعدون
مشوار العمل وقرص البنادول (1)
السبت 02 يوليو 2022

بداية الطريق: نفرح بالحصول على وظيفةٍ في المكان الذي طالما حلمنا بالعمل فيه. نبذل الجهد والغالي والنفيس في سبيل إثبات صواب اختيارنا. نضحّي -دون أن نشعر- بأوقاتنا الخاصة تلبية لنداء الالتزام، ولقسم لم يجبرنا أحد على أدائه لكننا نردده في وجداننا: أقسم بالله العظيم أن أعمل بصدق الأوفياء وبشرف النبلاء مُسخِّرة صحتي ونفسيتي وطاقتي (وما فوقها) فداءً لمتطلبات العمل وأوامره.

في بداية الطريق لم أكن أعلم أن هناك عرفًا سائدًا في بعض قطاعات العمل اسمه "قانون الإنهاك" الذي ينص على: "أنهك الموظف الجديد الهُمام، وتعمّد إثقاله بالمهام، وكرّهُ بالدوام حتى يصاب بالفِصام". فوقعت ضحية له ردحًا من الزمن.

تتحسن الأحوال كلما مضت بنا السّنون وكلما فهمنا أكثر. وبعد أن يستقر بنا نظام العمل أخيرًا، وبعد أن نوقّع على اتفاقية مع الحياة (تكون منصفة لنا ولها)، يأتي شبح غاضب على شكل آلام في المفاصل وآلام في الظهر وآلام في الرقبة وآلام في المعدة. زرت في هذه الحالة طبيبًا مختصًا لأول مرة (وكانت آخر مرة) باحثةً عن سبب وعن حل لآلامي تلك. أجابني الطبيب -بكل لا مبالاة : هذه الآلام نتيجة التقدم بالعمر “due to aging”!! وأخذ يحدثني عن وهن العظام وهشاشتها دون أن يكون عندي أي منها (وحتى قبل أن يقوم بطلب التحاليل والفحوصات) وكأنني في الثمانين من العمر! حقًا؟ أجلست تدرس الطب لسبع سنين عجاف ثم أتْبَعْتَهَا بسنين أخرى في الامتياز والتخصص لتأتي حضرتك وتفجر في وجهي قنبلة قبل أن تتيقن!! هل علموك في كلية الطب أن تخبر من بدأ السير نحو التقاعد -أو تقاعد بالفعل- أنه ميت يمشي على قدمين؟ هل أخلاقيات الطب عندك تسمح لك بإغلاق منافذ الأمل على من يدرك تمامًا أن آلامه مرتبطة بالعمر إلا أنه يسعى لأن يبقى محافظًا على صحته حتى آخر نفس كتبه الله له؟ ألم تدرك بأنه جاءك لتخفف عنه بعضًا من آلامه الجسدية لا أن تضيف إليها آلامًا نفسية؟

ربما كانت هذه المقالة أشبه برسالة أرفعها إلى من يهمه الأمر، أرفعها أولا إلى الإنسان المسؤول (المقصّر) أينما كان: عد لإنسانيتك في التعامل مع الآخر، لا تنتظر أن يواجهك الموظف الشاب المتحمس بكلمة كفى! استفد من طاقاته التي سرعان ما سيفقدها وسيصبح -إن لم تتغير أنت- نسخة عنك (بنظرة سوداوية لمعالجة الخطأ، وبتوجس من المبادرات الخلاقة). تعلّم من المميزين ومن المبدعين من حولك وهم كُثُر، فلن يزيدك ذلك إلا رفعة، وسيجعل بيئة العمل من حولك منتجة وإبداعية.

أما أنت أيها الإنسان المبجّل الذي يرتدي رداءً أبيضَ -يا من يرمي تشخيصه رميًا في وجوه مرضاه- فرسالتي الثانية لك. نحن نقدر وجودك ونثني على جهدك المميز، وندرك تمامًا الدور العظيم الذي تقوم به.. لكن لا تسبب المزيد من الضغط والإرباك لمن وصل إلى منتصف الطريق أو حتى إلى نهايته! لا تتذرع بأنك تقول الحقيقة.. فالملافظ سعد والكلمة الطيبة صدقة. تعلّم القول الليّن، فإن لم تعرف فاسأل، وإن لم تعرف كيف تسأل فأكرمنا بقرص بنادول!

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية