العدد 5050
الجمعة 12 أغسطس 2022
نوح الجيده
وهُنّ أضعف
الثلاثاء 02 أغسطس 2022

ساحرةٌ بلا شعوذة، ساهرةٌ حين تعذّبُكِ فاتنةٌ مثلك، كليلةٌ عن العيوب إذا رضيتِ، وتبدين المساوئ إن تملّكك السخط، يوجِدُ لكِ لسان العرب أكثر من خمسين معنى ظاهرًا، وتعجز الأوصاف عن حَصْرِ كلّ ما تخفينه، لستِ حاسّةَ إبصارٍ فحسب، إنّما أنتِ بوابة الروح؛ "وقد تضيع الكلمات من الإنسان، ولكنها تظل مرسومة في عينيه".

إنّ العين لا تُخفي معانيها: "حتى كأنّ عيونَ القومِ أفواهُ" كما أنّ لها سلطةً على ما سواها، حادّةٌ عند الغضب تقطّبُ الحاجبين اللذيْن يؤطّراها من الأعلى، تلمعُ عند الفرح إلى أن يستدير وجه المرء مشرقًا كأنّه الصبح إذا تنفّس، تتّسعُ حين تحبّ فترسم ابتسامة طفلٍ بعد انتظار طويل؛ "فالودّ لا يخفى وإن أخْفَيتَهُ .. والبُغْض تُبْديهِ لكَ العينانِ".

لطالما أحببتُ التعرّف على الناس من أعينهم حين تعبّر من تلقاء نفسها، كان لي معلّمٌ تكفينا منه نظرةً تُغني حباله الصوتية عن لعب دورها في الصراخ والعتاب، كما أنّ لي صديقًا يرفع بصره للأعلى كلّ ما بدأنا نفكّر، وكأنّه ينتظر وحيًا ينزل من السماء، إلى أن يُستجابَ نداء العيون المتأملّة في نهاية الأمر.

بعدما زرت متحف اللوفر في باريس، سألتُ نفسي كيف لعاقلٍ أن يصل إلى هنا دون رؤية الموناليزا؟ خصوصًا وأنّها تُكرم زائريها بالنظر إليهم طوال الوقت، عرفتُ بعد البحث أن "تأثير الموناليزا" هذا  مجرّد وهمٍ تناقلته الأجيال، ويُرجّحُ أنّ الناس يُحبّون أن يُنظرَ إليهم، لهذا السبب يعتقدون أن المرأة تنظر إليهم مباشرة، حتى إن لم تكن كذلك.

كما أنّنا -نحن البشر- بحاجةٍ فعلًا أن يُنظرَ إلينا، حاجة طبيعية تعزز من تقدير الإنسان لنفسه، والحاجة الأولى من ذلك أن يكون لكلٍّ منا قرينه الذي يفهمه من عينيه، لا يحتاج إلى تبرير تصرّفاته معه، ولا يضطّر للتفكير كثيرًا في ما يودّ قوله. ذلك لأن عين الإنسان أبلغ من أيّ كلامٍ يُقال، على الرغم أنّها كما يقول جرير؛ "وهنَّ أضعف خلق الله أركانا".

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .