العدد 5219
السبت 28 يناير 2023
د. عدنان محمد القاضي
دور المدرسة في رعاية الموهوبين واستثمار قدراتهم
السبت 28 يناير 2023

إنَّ تربية الموهوبين مسألة تربوية حديثة العهد إلى ما قُورنتْ بالعلوم التربوي الأخرى، ولدت في مطلع القرن الماضي، وترعرعت في السبعينات، وانصبَّ اهتمامها على بناء الفرد المتميّز، بوصفه ثروة وطنيّة في غاية الأهميّة، ومن الواجب ألاّ يتمّ تبديدها بالإهمال وانعدام الرعاية، فجاءت فكرة البرامج الإثرائية والارشادية لرعاية الموهوبين كأحد الخيارات المتاحة للتركيز عليهم، وسارعت في حينها المؤسسات التعليمية للعناية بهذه الشريحة بتأسيسها وتقديمها لمجموعة من الخِدمات والبرامج المتنوِّعة من أجل إحداث الرعاية الشاملة والاستثمار الحقيقي في العنصر البشري.
وقد بيّنت الدراسة التي قام بها كل من بروير وروث (Brewer & Ruth, 2004) ضرورة مواجهة التحديات المستقبلية من خلال تعليم الأفراد الواعدين لأن يكونوا قادة فاعلين ومتمكنين من مهارات حلّ المشكلات واتخاذ القرارات، وذلك من خلال تعريضهم لدورات في الإبداع وتقدير الذات، وتزويدهم بالمعارف والمعلومات، والتدريب على المهارات المعينة على معالجة أو تطوير قضايا مُستمدَّة من أرض الواقع. ومن المؤكد أنّ مسؤولية تدريب الأجيال تقع على عاتق المؤسسات التعليمية، وبخاصة المدرسة. 
هذا، ولقد أجحفت بعض الدراسات والتقارير المسحية حق الدول العربية عندما أشارت إلى ندرة برامج الرعاية الخاصة للموهوبين فيها، وأنَّ هذه الدول لازالت تتجاهل ضرورة العناية بهذه الفئة من الطلبة، ومدى حاجتها إلى طاقات الموهوبين في الميادين العلمية المختلفة، على أنها كفاءات عالية الجودة لها إسهاماتها التي تتميز كماً وكيفاً عن إسهامات باقي أفراد المجتمع. غير أن الواقع يمثل صورة مغايرة لما أطلقته تلك الدراسات والتقارير حيث تبين مؤخراً أن هناك سباق محموم بين الدول العربية نحو مسألة اكتشاف الموهوبين والتعرُّف إلى حاجاتهم، وتوفير العناية والتربية اللازمة لهم؛ بهدف توفير القيادات الفكرية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والوقوف أمام تيار هجرة العقول العربية إلى الدول الغربية من جهة أخرى. 
وقد تطرَّق كلٌّ من سعادة (2010) وديفيز، ريم وسيلجر (2011/2014) وإلى أهمية تربية الموهوبين ورعايتهم بتوفير برامج وخِدمات ذات جودة عالية تنسجم مع قدراتهم وامكاناتهم، ومن أهم المبررات في ذلك ما يلي:
1. تمثِّل فئة الموهوبين في الحقيقة مصدرًا مهمًّا وذات قيمة كبرى للمجتمع حاضراً ومستقبلاً.
2. تستحق فئة الموهوبين معاملة خاصة أسوةً بفئات ذوي الحاجات الخاصة الأخرى.
3. إذا لم يتمّ الاهتمام بتربية الموهوبين على شكل توفير برامج خاصة بهم تُراعي قدراتهم وميولهم واهتماماتهم، فإنّ ذلك ينعكس سلباً على نسبة غير قليلة منهم.
4. يرى المدافعون عن تربية الموهوبين بأنَّ هذه الفئة وبما تمتلكه من قدرات وامكانيّات عالية وبما لديها من دافعيّة قويّة للتعلُّم، قد جهّزت نفسها أصلاً كي تقبل الكثير من التحدّيات غير الموجودة في المنهج الدراسي الذي تمّ تصميمه أو تخطيطه للطلبة العاديين.
5. يشعُر كثير من المدافعين عن تربية الموهوبين بأنَّ هذه الفئة لا زالت مهملة من حيث تلبية حاجاتها الكثيرة والشاملة.
6. تظهر الموهبة بشكلٍ واضح في العادة نتيجة التفاعل الذي يحدث غالباً بين القدرات الفطرية أو الموروثة لدى الفرد وبين البيئة المحيطة به، والتي تتحدى وتثير القدرات والمواهب العالية لديه.
7. قيام الأنظمة التعليمية والتربوية الحديثة على مبادئ الديمقراطية، وأنَّ المدارس تمثّل أذرع هذه الديمقراطية، مما يتوجَّبُ عليها تطبيق مبدأ العدل والمساواة بين فئات الطلبة جميعاً والتي تختلف بقدراتها العقلية ونسبة الإبداع بينها.
8. يُعتقدُ بوجود آلامٍ أو مشكلاتٍ نفسية وجسدية لدى فئة ليست بسيطة من الطلبة وهم الموهوبون، مما يُقلل أو يُعرقل من ظهورهم كقوى لها أهميتها في المجتمع.
9. يلتحقُ الموهوبون بالمدارس منذُ اليوم الأوَّل، وهم يمتلكون أصلاً العديد من المهارات الأساسية التي يحتاجها من هم في عمرهم من أقرانهم العاديين، لذا يشعرون بأنّهم معزولين منذ البداية.
10. يرى المدافعون عن تربية الموهوبين بأنَّه إذا ما تمّ تحقيق حاجات الموهوبين عن طريق تصميم برامج خاصة بهم وتتمشى مع هذه الحاجات والقدرات، فإنّه سوف يحققون في الغالب مستويات عُليا من التحصيل الأكاديمي والأداء الرفيع.
وبناءً على ما سبق يأتي دور المدرسة لرعاية الموهوبين والتخطيط لبرامج خاصة بهم بين جنباتها، كون التعلُّم العادي لا يوفّر الفرص والخبرات للموهوبين كي تلبَّى حاجاتهم التعليمية والتربوية المتنوِّعة كالتعلُّم السريع؛ وتعدُّد الاهتمامات؛ واختلاف أنماط التفكير.
كما أنَّ الجِهات المسؤولة بمختلف مستويات أصحاب القرار فيها قد تستصعب وجود برامج خاصّة قد تكلّف ماديًّا.
ومن هُنا تأتي أهمية الحاجة لتخطيط برامج الموهوبين في المدارس العادية، بحيث تحاول تقديم كافة أشكال الرعاية منْ إثراء وتجميع وإرشاد وتسريع، ومن قبل كلّ ذلك تشريع يكفَلُ للموهوب حقوقه، ويلزم المؤسسات التعليمية بأداء الواجبات المستحقَّة عليها.
إنَّ البيئة المدرسية الإيجابية تمثّل حجز الزاوية بالنسبة لرعاية الموهوبين، ومنَ الأهمية بمكان أنْ نميّز بين بيئة مدرسية غنيّة بالمثيرات ومنفتحة على الخبرات والتجديدات الخارجية، وبيئة مدرسية فقيرة منغلقَة لا تُرحِّب بالتغيير والتطوير الذي قد يكون طوعيًّا أو مفروضًا من الخارج.
وللمدرسة أدوار ينبغي القيام بها لرعاية سليمة للموهوبين نوجِزها فيما يلي: 
• مساعدة الموهوبين في الحصولِ على المهارات العلمية والاجتماعية وتنميتها.
• تشجيع التفكير وروح الإبداع لدى الموهوبين.
• الاهتمام بالموهوبين وتشجيعهم على التحصيل.
• توفير الفرص التي تكشِف عن ميول الموهوبين واهتماماتهم.
• الاهتمام بالإنتاج الإبداعي للموهوبين، وتنمية مهاراتهم الخاصة.
• الاهتمام بتكامل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والأكاديمية.
• الاهتمام بالأنشطة المدرسية وإعطائها مساحة من الوقتِ لإبراز القدرات والملكات الخاصة.
• تنويع استراتيجيّات التدريس ضمن الصَّف العادي لمراعاة الفروق الفردية وأنماط التعلم.
• تنويع أشكال التقويم بإعطاء مجالات المشاريع النهائية والعروض الجماعية والتقارير الفردية مساحة كافية من الدرجات.
• طرح أنشطة ومسابقات وفعاليات لاصفيّة بحيث تكون موجّهة للموهوبين ولمن لم يكتَشِف موهبته بعد ولديه تردد غير مبرَّر. 
وقبل البدءِ في تنفيذ أيّ برنامج إثرائي مدرسي لابدّ من الوقوف على أسس التخطيط، ومنها:
• وجود فلسفة واضحة لتربية الموهوبين.
• اعتماد تعريف واضح الحدود والمعالِم لماهيّة الموهبة.
• صياغة أهداف دقيقة مستمدَّة من التعريف المعتمد.
• وجود أدوات ملائمة للكشف والتعرُّف إلى الموهوبين.
• ترتيب مراحل دقيقة لآلية الكشف والتعرُّف إلى الموهوبين.
• وضع إطار منهج مطوَّر يُظهِر السلوك الإبداعي للموهوبين.
• اختيار المعلمين والجِهاز الإداري، وتوعيتهم وتدريبيهم.
• توصيف المسؤوليّات الإدارية والتنظيمية وتوزيعها بحرفيّة.
• التقويم المستمر للبرنامج وفق آليّات معدَّة سلفًا.
والسؤال المهم هنا، ما المطلوب من بيئات التعلُّم الصفيّة؟ ونجيبُ بإيجاز على النحو الآتي:
• تثمين اهتمامات الموهوبين وميولهم، ومراعاة أنماط التعلُّم.
• تشجيع الاستقلالية، وتدعيم المبادرة (أو المبادأة).
• تشجيع الموهوبين على التعاملِ مع الأفكار بعقلٍ منفتِح.
• تشجيع التحاور مع الآخرين، ومناقشة أرائهم وأفكارهم.
• دعوة الموهوبين وتحفيزهم على التفاعُلِ مع المادة العلمية بأبعادها المختلفة.
• تشجيع الموهوبين على استخدام المصادر المتاحة، وحثُّهم على البحث عن الأفكارِ والمهمّات وطرائق الحلّ.
• إتاحة المجال للموهوبين للتعلُّم في إطار تنظيمات مختلفة كالتعلُّم الفردي والثنائي؛ والتعلُّم في إطار مجموعات صغيرة وكبيرة، والتعلُّم في الصف وفي مؤسسة تعليمية واحدة.
• ربط الموهوبين بالتطبيقات العملية للمادة العلمية التي يدرسونها.
• إتاحة فرص تطبيق ما تعلّمه الموهوبون في حلّ مشكلات مستمدة من أرض الواقع.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية