العدد 5166
الثلاثاء 06 ديسمبر 2022
نوح الجيده
ثمانون طابقًا
الثلاثاء 22 نوفمبر 2022

أقضي مع أسرتي الصغيرة إجازةً نزور فيها مَعلمًا سياحيًا يتجاوز الثمانين طابقًا، يقصده الناس من أقاصي الدنيا للصعود إلى قمته، والتي استُبدل جزءٌ من أرضيتها الاسمنتية بأخرى زجاجية ليلتقط السيّاح صورًا للذكرى من هذا الارتفاع الشاهق.

حالما تصل إلى القمة المنشودة عاليًا تهديك الموظفة مع ابتسامتها العريضة قماشًا أسودَ تلفّه حول حذائك حتى لا تفسد طبعات أقدامك تجربة الآخرين في توثيق اللحظة المرتقبة، حين يحلّقون مع الغيم ينظرون للأفق البعيد، وأرجلهم تعلو فوق ناطحات السحاب في مشهد لطالما تخيّله الإنسان في عقله.

وهو أن يكون في قمته العالية وكلّ ما سواه أدنى منه، متكئًا على عرش أحمر يأمر وينهي من خلاله، فيرقى بطموحه وجبروته في السماء، وهو يعلم يقينًا أنّ الناس لن يؤمنوا برُقيّه ما لم يتواضع لهم، ولكن نفسه تغلبه عندما يتمكن الغرور منها، والعلو ليس محمودًا دائمًا، خصوصًا إذا ارتبط بالتباهي والكبر.

والعجيب في هذا الخيال أنّه يصحب الواحد منا لخيالٍ ثانٍ في الاتجاه الآخر تمامًا، عندما ينزل رأسه وينظر إلى قدميه، ثم يفكر لحظة واحدة لو أنّه سقط من هذا العلو، فما هو المصير الذي ينتظره؟ وبالمناسبة فإن هذا الخيال أقرب ما يكون محالًا، إلا أنّي أحاول هنا وصف ما يدور في عقل الإنسان وهو يعيش هذه التجربة.

وأحبّ طمأنتك أنّي لم أفسد متعة المنظر حينها، ولا إفساد الصورة التي صعدنا كلّ هذه الطوابق حتى نلتقطها، ولم ألقِ بخيالاتي العشوائية طوال الساعة التي كنا بها في الأعلى، ولكني إنسانٌ يرى في اللذة العابرة قيمة أكبر عندما يهذّبها بالتأمل، وأنا كما تعلم سيدي القارئ؛ رجل يحبّ أن يكتب.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية