العدد 5230
الأربعاء 08 فبراير 2023
احمد عبدالله الحسين
"التَضرُّع .. دلالة ومعاني "
الأربعاء 08 فبراير 2023

ما أحوج الانسان لدعاء خالقه، والتَضرُّع اليه في الرخاء والشده، ومقالنا هو عن التضرع ومعانيه وما هو مأثور في آدابه بذكر التالي:

التَضَرُّع اسم وفعله تَضَرَّعَ، وضرع اي خضع وذل وتخشع واذا قيل؛ تضرع إلى الله ابتهل وفيها التلوي والاستغاثة والمبالغة في السؤال. أما الضارع فهو الصغير من كل شئ، وقيل الصغير السن الضعيف وقوله عز وجل؛ 
"تدعونه تضرعا وخفيه" ومعناه تدعونه مظهرين الضراعة وشدة الفقر والحاجة إلى الله. وبهذا يكون القرب والدنو من الله، كما يُقال ضرعت الشمس اي دنت من المغيب، وكلمة الضرع كذلك تفيد انها لكل ذات ظلف أو خف كضرع الشاة والناقة اي العضو مدّر لبنها. وكذلك ياتي معنى الضروع وهو العنب الابيض الكبير الحب قليل الماء كثير العناقيد.                      

اما المضارعة فهي المشابهة والمقاربة، والمضارع من الأفعال هو الفعل الأتي والحاضر ،والمضارع في العروض وهو احد بحور الشعر والتي يقال فيها مثلا؛البحر المضارع وزنه مفاعيلن فاع لاتن.

والضريع هو نبات أخضر منتن خفيف يرمي به البحر وله جوف، وقيل هو يبيس العرفج وهو طعام أهل النار.

هكذا نتذوق جليل المعاني في المفردات اللامتناهيه في اللغة العربية، لغة لا يضاهيها في منطوق الاخرين مثل هذه الالفاظ والمباني بكثرة تشعباتها ووفير دلالاتها.                                                                        

التضرع والتبتل طمعا بقبول الله هي فيوضات ونفحات يهبها ربُّ الارض والسموات الذي يفرح بعباده ويرحمهم .ولنا في مجاز القول مندوحه حينما يرتضع ويلتقم وليد المخلوقات فيلتقط ثدي عند ارتضاعه. تراه يلح ويرتفع ويحاول بكل قوته أن يجذب هذا اللبن الذي لا يمكن أن يعيش إلا به. هذا ناموس غريزي كتبه الله للمخلوقات، وفيه صورة بيانية كيف للوليد ان يعرف ضرع أمه وهذا امره فطري لان أصل خروج المولود هو من هذه الأم. كما أن أصل نموه بقدر الله ناشئ عن هذه الأم ولا يمكن أن يستغني عنها فهي مصدر حياتة.

والمعنى هذا يفيد أن أصل الإنسان ووجوده هو من رحمة الله وفضله، ثم هو لذلك يحتاج أن يرفع يديه وأن يتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويلح في الدعاء، ويجتهد بحرص على ما يقيم حياته ويدفع عنه السوء. كما يجتهد ويلح ويحرص ذلك الوليد عندما يرتضع من الثدي أو الضرع ،ولهذا نحن لا نستغني عن الله كما قالها النبي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالدعاء؛ "ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" الأستدراج في النعم ونسيان الخالق عز وجل هو خذلان وخسران لان الله هو صاحب الفضل؛ "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ".

الأنبياء والمرسلين كانوا قدوات في التضرع، نوح عليه السلام ظل يناحي ربه، وأن ينجيه وأهله من الكرب العظيم الطوفان، كما كان التجاء ابراهيم عليه السلام إلى الله وحده أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى زوجه وولده في مكة. وافتقار أيوب عليه السلام أن يكشف الله ما نزل به من ضر. واستغاثة يونس عليه السلام في ظلمة جوف الحوت وقاع البحر أن ينجيه من الغم. كما كانت شكوى يعقوب عليه السلام لله وحده قَالَ؛ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون.

وهذا رسولنا الكريم محمد عليه افضل الصلاة والسلام تضرع والتجأ إلى الله تعالى في كل أحواله، إلا أن شدة تضرعه وانكساره وإلحاحه على ربه باستجابة دعائه كانت في وقت الحروب والأزمات. ففي غزوة بدر الكبرى أكثر من التضرع إلى الله والإلحاح بالدعاء إليه سبحانه في تلك المعركة التي كانت مع قُرَيْش حينما نظر الى صفوف الذي يُرِيدُون قتاله من قريش وجمعهم وكثرتهم. 
فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ؛
"اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى 
اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِى 
اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ"
فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ وفي هذه درس بليغ في التضرع.

ختاما 
التَضرُّع ايمان وتصديق، وادراك لمعاني العبادة"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ "

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .