العدد 5230
الأربعاء 08 فبراير 2023
حسين حبيل
كم نحن بحاجة إلى الرَّحْمَة
الأربعاء 08 فبراير 2023

حين نبحث عن الرحمة في اللغة ، فسنجد لها عدة معان ، فتراحَمَ القوم أي رحم بعضهم بعضًا ، وتعني أيضًا الشفقة والرقة في القلب.

حين تتأمل في أحرف كلمة الرحمة ، ستنقدح في ذهنك العديد من الكلمات الأخرى ك : المرحوم ، ورحمك الله ، والرحم . قد يتسائل المرء : لماذا سميّ الرحم الذي خرجنا منه إلى الحياة رحمًا ؟ ربما يكون ذلك لتعلق الرحم بالرحمة التي تصل للجنين وهو في بطن أمه من غذاء قبل ولادته ، فما أعظمها من رحمة !

إن هذه الرحمة امتداد وصفة من صفات الله جل جلاله ، فهو خالق الرحمة التي شملت كل الموجودات والمخلوقات ، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِىْ وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ﴾ (الأعراف:156).

تعيش البشرية في هذا العصر تقدمًا ملحوظًا في شتى وسائل التواصل ، فأصبح بإمكانك التواصل مع أي شخص حول العالم عبر كبسة زر ، وعوضًا أن يؤدي ذلك إلى تقليص أو إلغاء أي فجوة وهوة تبعدنا عن الآخرين والتفاعل مع آلامهم وآمالهم ، نجد وللأسف الشديد الكثير من الناس يهرولون نحو نفق مظلم للفردانية المطلقة ، وينتهون لاتخاذ مواقف أنانية حيال القضايا الأخلاقية ، وفي ذلك تكريس لحالة من الأنانية المدمرة للمجتمع .

حين يتلاشى مفهوم الرحمة والشفقة ، وتختفي مشاعر التأثر بآلام الآخرين ومعاناتهم يتجرد الإنسان من إنسانيته ، وتفضحه أنانيته فيتعرى تمامًا من كل الفضائل الأخرى ، ويلجأ لتبرير انعزاله بالرغبة في البقاء ، وكأنه سيخلد، وقد يتغنى بسلبية وتشاؤم بمقولة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر حين قال : " الآخرون هم الجحيم " ، ولو تأمل الإنسان في باطنه وسلوكياته لوجد أن الكثير من حجرات قلبه يقيم فيها الجحيم وتلوثها أدران الخطيئة دون أن يشعر ! وعوضًا عن شيطنة الآخر حريٌ بالإنسان أن يعود إلى طهارة رحم إنسانيته ، فينطلق في تعامله مع الآخرين من الرحمة . 

قد يشكل البعض أن في اظهار الرحمة والشفقة تكريس للبؤس والاتكالية ، وإلغاء لشعور طبيعي للألم والمعاناة التي من دونها يفقد الإنسان قيمة التجربة والخبرة في تجاوز المحن والعقبات . ولكن الرحمة التي نفتقدها لا تعني أبدًا أن تسود ثقافة الاستجداء ، وليس المقصود منها هنا التكاسل والتلكؤ عن مواجهة تحديات الحياة وعواصفها . بعيدون عن الرحمة هم جائعي الشهرة وتجارها ممن يقومون باستغلال آلام الآخرين وتوثيق معاناتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي عوضًا عن حفظ ما تبقى من ماء وجوههم عبر إخفاء هوياتهم. 
حين نفهم معنى الرحمة ؛ سنتمكن من التفريق بين ذلك النرجسي المخادع الذي يستغل نقاء سريرة من حوله ، وبين شخص آخر ينتظر منا كلمة واحدة وابتسامة حانية تعيد حرارة الحياة إلى وجنتيه وقلبه المثخن بشتى المصائب والملمّات .
الرحمة تتجلى في تفقدك لجار معسر أثقلت كاهله الديون ، ومنعه التعفف من تسول الشفقة والرحمة من أعين الآخرين وأيديهم  . الرحمة تكمن في زيارة خاطفة لمريض مصاب بفقر الدم المنجلي تخفف عنه آلامه وتزرع في يساره الأمل والطمأنينة . ومن عرف قيمة الرحمة سيبادر لصلة "أرحامه " وأقربائه ، وإن قطعوه وأغلقوا الأبواب في وجه ، ستدفعه الرحمة والشفقة إلى ممارسة الحد الأدنى من صلتهم عبر الدعاء والتضرع .
يجب أن نعلم أطفالنا قبل كبارنا أن يمارسوا الرحمة ، لتكون سمة شخصية تجري في وجدانهم كالدم .

كم نحتاج للشعور بالرحمة والرأفة حين يخطأ الآخرون بحقنا وتبصق أفواههم سمًا عزافًا من بذيء الكلام ، فنترفع عن الغرق في وحل الكراهية ، ونعرض عن أي إساءة متخلقين بالفضيلة التي نادى بها أشرف الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

كم نحن بحاجة إلى الرحمة ؛ فمن يرحم اليوم سيُرحم غدًا حتمًا.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .